أخر الأخبار

وجه الحقيقة – دكتور إبراهيم شقلاوي – رئيس الوزراء.. صناعة الإحراج

أحيانًا يُحرج المسؤول من يحيطون به، من فريق المستشارين أو الإعلاميين، حين لا يحسنون قراءة الأحداث وصناعة الصورة، فيتحول الظهور الذي يُفترض أن يرفع رصيده، إلى مشهد ينتقص من مكانته، وربما من مصداقيته. وهذه هي المفارقة التي تفرض نفسها، عقب ظهور د. كامل إدريس في إحدى محطات الوقود بالخرطوم.

ليس في ذهاب رئيس الوزراء إلى محطة وقود ما يعيب . بالعكس نزول المسؤول إلى الشارع ومتابعة أحوال الناس قيمة سياسية محسوبة بذكاء، خصوصًا في بلد أنهكته الحرب وأثقلت معيشة مواطنيه. لكن المشكلة، في المشهد الذي صُنعت منه الرسالة.

ظهر رئيس الوزراء وهو يسأل وكيل محطة الوقود عن توفر الوقود ، ثم اصطحب الرجل إلى المستودع الداخلي، حيث أُنزلت أداة القياس إلى الخزان الأرضي وأُخرجت أمام الكاميرا، ليكبر فخامته، ويعلن أمام حشد من المواطنين أن الوقود موجود، وأنه لا توجد أزمة، وأن الخزان ممتلئ.

في المشهد نفسه من زاوية اخري كان مواطنون يحتشدون أمام المحطة طلبًا للخدمة. هنا تحديدًا بدأت المفارقة محرجة للرجل ،رئيس الوزراء كان يقيس الأزمة داخل الخزان، بينما المواطن يقيسها في الطابور الممتد.

قد يكون الوقود موجود ، وربما كان الهدف من المشهد التأكيد على أن المخزون متوفر ، وأنه لا توجد أزمة . لكن ذلك لا يلغي المشكلة التي يواجهها المواطن يوميًا ، فهو يقف ساعات أمام محطة الوقود، ولا يعرف متى يأتي دوره أو ما إذا كان سيجد الوقود أصلًا. لذلك، فإن الأزمة لا تتعلق بالوفرة، وإنما بانتظام الإمداد، وعدالة التوزيع، وسهولة الخدمة.

وهذه نقطة بسيطة في حسابات الاقتصاد، لكنها جوهرية في إدارة الأزمات: المواطن لا يستهلك المؤشرات، وإنما يستهلك الخدمة.

لذلك كان يمكن للمشهد نفسه أن ينتج رسالة سياسية مختلفة تمامًا. كان يكفي أن يقول، الوقود موجود، لكن هناك ضغط واختناق في التوزيع، وهذه إجراءاتنا لمعالجته ،ثم يعلن عنها بقرارات ميدانية كما اعلن عن التطبيقات البنكية . عندها يصبح الاعتراف بالمشكلة جزءًا من الحل.

فالناس لا تطلب من الحكومة أن تصنع المعجزات في زمن الحرب، لكنها تريد أن تشعر بأن الدولة ترى ما تراه، وتفهم ما تعانيه من رهق الترحيل وابتزاز المواصلات وكلفتها المتجددة كل صباح، ولا تطلب منها أن تكذب عينيها.

وهنا تستدعي الذاكرة الشعبية، مشهدًا سابقًا لا يزال حاضرًا في الوجدان، خلال أزمة وقود سابقة، تحدث وجدي صالح عن ذهابه إلى إحدى محطات الوقود للتحقق بنفسه من عدم وجود أزمة، مستندًا إلى مشهد صاحب المحطة وهو جالس على عنقريب في الظل، ينتظر طالبي الخدمة لتلبية رغباتهم. لم يرَ الناس في العنقريب دليلًا على انتفاء الأزمة، بل تحول المشهد إلى مادة للسخرية، وأطلقوا عليه لقب ،وجدي عنقريب.

والدرس هنا، في الذاكرة السياسية التي يصنعها الجمهور. حين يشعر الناس أن المسؤول يستخدم تفصيلًا صغيرًا لإثبات عكس ما يعيشونه، فإن التصريح لا ينتهي بانتهاء الزيارة الميدانية، يتحول إلى نكتة، ثم إلى لقب، ثم إلى ذاكرة سياسية، يحفظها التاريخ.

واليوم للأسف ، يكاد المشهد يتكرر بصورة أخرى، هناك عنقريب في الحكاية القديمة، وخزان وقود في الحكاية الجديدة. في الحالتين يجري تقديم مشهد داخل محطة الوقود بوصفه دليلًا على أن الأزمة غير موجودة، بينما المواطن الموجود في المكان نفسه يقدم الدليل الأكثر مباشرة على الأزمة.

وهنا تحديدًا تظهر مسؤولية تشكيل الحدث وصناعة الصورة، فاختيار موقع الظهور وصياغة الرسالة وإخراج المشهد تعكس، قرارات سياسية ينبغي أن تُقاس قبل بثها بكيفية استقبال المواطن لها، وما إذا كانت ستعزز صورة رئيس الوزراء أم تضعه في موقف قابل للسخرية.

من المعلوم في كثير من الدول، أن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء ليس جهازًا لتغطية الزيارات ونشر التصريحات . مهمته أكبر من ذلك بكثير، فهو جزء من صناعة الثقة ودعمها بين الدولة والمجتمع. ولذلك فإن اختيار مشهد واحد يمكن أن يكون قرارًا سياسيًا، وليس قرارًا إعلاميًا.

الرجل جاء إلى رئاسة الوزراء بسيرة دولية رفعت سقف التوقعات حوله. وهذه السيرة تحتاج إلى ترجمة سياسية وإعلامية تليق بها. لا ينبغي أن تقدم للجمهور صورة مسؤول غارق في التفاصيل اليومية، بل صورة رجل دولة يعرف أين تبدأ مسؤوليته وأين تنتهي مسؤولية المؤسسات التابعة له.

قد لا يكون إضعاف صورة رئيس الوزراء مقصودًا، لكن الحدث بحسب #وجه_الحقيقة يكشف ضعفًا في التقدير الإعلامي والسياسي. وفي زمن الحرب، مسؤولية الحكومة ليست تلميع صورتها ، بل الايفاء ببرنامجها “معاش المواطن” ، وشرح أسباب الأزمات ومعالجتها، ومعالجة التدهور. فالمواطن لا يحتاج إلى خطاب ينفي ما يراه بعينيه، بل إلى حكومة تعترف بالمشكلة وتتحمل مسؤوليتها وتقدم حلولًا واضحة لجميع الأزمات.
دمتم بخير وعافية.
السبت 3 أكتوبر 2026م. Shglawi55@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر + 13 =

زر الذهاب إلى الأعلى