المشهد المصري – عمار العركي – مصر تدخل من بوابة العاصمة الإدارية السودانية

جاء في الأخبار بزيارة مرتقبة لوزيري الخارجية والنقل المصريين، وبحث عدد من ملفات التعاون، من بينها مشروع “إنشاء عاصمة إدارية جديدة” في السودان. والخبر يفتح الباب أمام النظر في أولويات الإعمار السوداني ودور مصر فيه.

فكرة العاصمة الإدارية ليست جديدة؛ فقد سبق أن زار رئيس الوزراء كامل إدريس العاصمة الإدارية المصرية، واطلع على تجربتها، وبرزت فكرة الاستفادة من الخبرة المصرية في إنشاء «عاصمة إدارية بالسودان، بجانب تشييد مليون وحدة سكنية». لكن دخول وزير النقل المصري على خط الملف يضع أولويات النقل والبنية التحتية في السودان في الواجهة.

وزير النقل المصري سبق أن زار السودان، وكانت ملفات النقل والطرق والكباري والسكك الحديدية والموانئ والنقل النهري حاضرة في مباحثات البلدين. وهذه الملفات لا تزال تمثل جزءًا مهمًا من المصالح المشتركة، وبعضها يعود إلى اتفاقات ومشروعات سبقت الحرب وما زالت تنتظر التنفيذ أو الاستكمال.

سبق للتعاون المصري أن وصل بالفعل إلى داخل العاصمة الخرطوم، من خلال الدراسات الفنية الخاصة بتقييم وإعادة تأهيل عدد من الكباري التي تضررت خلال الحرب، ومنها كباري شمبات والحلفايا والمك نمر. وهو ملف يرتبط مباشرة بعودة الحركة بين مدن العاصمة واستعادة دورة الحياة فيها.

وهنا يكون السؤال: هل يبدأ إعمار السودان من إعادة تأهيل العاصمة الحالية الخرطوم، وإعادة تشغيل مواعين الإنتاج والخدمات والبنية التحتية، أم من إنشاء عاصمة إدارية جديدة؟ السؤال لا يعني رفض فكرة العاصمة الجديدة، وإنما يتعلق بترتيب الأولويات في عاصمة خارجة من ركام حرب التدمير والخراب الممنهج.

الخرطوم ليست مجرد عاصمة مثلثة ومقر للحكومة، بل مركز إداري واقتصادي وتجاري يرتبط به جزء كبير من حركة السودان. وإعادة تأهيل الطرق والكباري والكهرباء والمياه والمرافق، وعودة المصانع والأسواق والخدمات، تعني في جوهرها إعادة تشغيل الدولة والاقتصاد معًا.
في المقابل، يمكن للعاصمة الإدارية الجديدة أن تكون مشروعًا استراتيجيًا طويل المدى، إذا جاءت ضمن رؤية متكاملة لإعادة تنظيم مؤسسات الدولة والتوسع العمراني. وكما تناولنا التجربة المصرية في مقالين سابقين، فإن نجاح هذه التجربة يرتبط بوجود شبكة نقل وبنية تحتية واقتصاد قادر على دعم مدينة جديدة، وليس بمجرد إنشاء مبانٍ حكومية.

مصر تملك خبرة كبيرة في الطرق والكباري والسكك الحديدية والمدن الجديدة، والسودان يحتاج هذه الخبرة في أكثر من مجال. وربما يكون ملف النقل وإعادة ربط المدن والموانئ والمناطق الإنتاجية أحد أهم الأبواب التي يمكن أن تدخل منها هذه الخبرة إلى مرحلة الإعمار.

لذلك، علي الخرطوم جعل زيارة وزير النقل المصري المرتقبة ، مناسبة لإعادة فتح الملفات القديمة والجديدة معًا: الربط السككي، الطرق والمعابر، الموانئ، النقل النهري، الكباري والممرات التجارية، إلى جانب مشروع العاصمة الإدارية.

*خلاصة المشهد:*
أولوية السودان الحالية ليست في عاصمة جديدة، بل في استعادة حياة عاصمته الحالية، وإعادة مواعين الإنتاج والعمل والنقل والخدمات إلى العمل. وإذا كانت القاهرة تدخل السودان من بوابة العاصمة الإدارية، فإن بوابة النقل وإعادة الإعمار قد تكون الطريق الأوسع والأكثر تلبية لاحتياجات السودان الحقيقية في هذه المرحلة.

↑
Exit mobile version