
لم يكن اللقاء مجرد حفل وداع دعت إليه شخصيات سودانية ومصرية بارزة لتسليم درع أو تبادل كلمات المجاملة المعتادة في العرف الدبلوماسي ، بل كان تداعيا وجدانيا وصادقا لتكريم قامة سودانية سامقة سعادة الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي سفير جمهورية السودان لدى جمهورية مصر العربية بمناسبة انتهاء فترة عمله
الوداع كان هو العنوان المعلن لهذه المناسبة ولكن الكلمات التي تدفقت بحرارة على المنصة والشهادات التي وثقت كشفت عن جوهر آخر للحشد وأراد الحضور أن يسجلوا شهادة حق في مسيرة رجل عاش وقته بين أهله ، وأن يعبروا عن ثلاثة معان تجسد واقعا حيا – التفاني ، العطاء ، والإنجاز
جاء السفير عماد الدين عدوي إلى القاهرة في ظرف استثنائي ودقيق من تاريخ السودان حيث تضاعفت أعداد الجالية السودانية في مصر جراء الظروف الاستثنائية والحرجة المعلومة وأضحت الحاجة إلى ملجأ قنصلي وخدمي فاعل ونشيط أمرا حيويا لا يحتمل التأجيل ، وخلال 31 شهراً فقط استطاع هذا القائد بمزيج من الإنضباط العسكري ، وحكمة السياسي ، ورؤية المهندس ، أن يحول السفارة السودانية إلى خلية نحل تعمل دون توقف
أحدثت السفارة خلال هذه الفترة القليلة إنجازاً قنصلياً غير مسبوق في تاريخ الدبلوماسية السودانية تجسد في تسهيل وتسريع الخدمات القنصلية ومعالجة تكدس المعاملات ، واستخراج عشرات الآلاف من الوثائق الرسمية والجوازات في أزمنة قياسية مسابقين الزمن لرفع العناء عن كاهل المواطنين ، بجانب الرعاية الشاملة للجالية والتعامل بمسؤولية وإنسانية عالية مع ملفات حيوية كالصحة، والتعليم ، وفتح أبواب السفارة لدعم المبادرات المجتمعية ، بجانب إحداث نقلة نوعية في بيئة العمل من خلال نقل مبنى السفارة وتنظيمه وتهيئة أماكن انتظار كريمة ولائقة تصون كرامة المواطن وتلبي احتياجات العائلات وكبار السن ، إلى جانب إعادة هيكلة وتنظيم سير العمل الإداري بفاعلية وانسيابية
ما تحقق لم يكن مجرد أرقام تقرأ في التقارير السنوية ، بل كان تجربة استثنائية على مستوى العمل الدبلوماسي والإنساني ، وأثبتت هذه المسيرة أن الدبلوماسية ليست جدراناً مغلقة ولا بروتوكولات جافة ، بل هي موقف إنساني وانحياز كامل لقضايا الشعب في أحلك الظروف ، نجح الفريق أول ركن عماد الدين عدوي في جعل السفارة السودانية بالقاهرة جسراً وثيقاً للترابط ونموذجاً يحتذى به في إدارة الأزمات الخدمية بروح الوطنية الشامخة
كثافة الحضور وتنوعه في حفل الوداع والذي جمع نخبة من رمور المجتمع السوداني والمصري ، من سياسيين ، ودبلوماسيين ، ومفكرين ، وإعلاميين ، وأبناء الجالية لم تكن إلا استفتاءا حقيقيا وملموسا على القيمة الكبيرة والمكانة الرفيعة التي يحظى بها السفير في قلوب الجميع ، وقد أثبت هذا المحفل أن الأثر الطيب لا يزول ، وأن القادة الذين يضعون بصماتهم بمداد من العرق والإخلاص يكتب اسمهم بحروف من نور في ذاكرة شعوبهم
يرحل السفير عماد الدين عدوي عن منصبه الدبلوماسي بالقاهرة ولكنه يترك خلفه إرثا إداريا وإنسانيا عظيما ومحبة ساطعة في قلوب السودانيين والمصريين على حد سواء ، يرحل وهو يحمل دعوات الملايين ممن وجدوا في عهده سفارة بحجم الوطن ، وسفيرا بقلب بقلب أخٍ رحيم وسند متين ، ستظل بصماته محفورة في ذاكرة الأيام ، وشهادته مكتوبة في قلوب كل من عرفوه ووجدوا فيه معنى القيادة النبيلة



