يا يحيى خذ الكتاب بقوة.
نشكر وزير الخارجية محيي الدين سالم على دفاعه عن حق التمثيل وفق اتفاق المقر 1947 في الدورة 81 للجمعية العامة. لكن شكرنا لا يمنعنا أن نصلح الأخطاء بفهم عالٍ، فالحرب الوجودية لا تدار بالمجاملات.
خطاب نيويورك كان رقيقاً، والمعركة تحتاج إلى يد من حديد. وهذا هو الفرق بين الدبلوماسية الناعمة والدبلوماسية الاستراتيجية الرصينة التي تحتاجها الدولة الآن. الدولة الآن تحتاج إلى تفعيل العقل الاستراتيجي.
*أين كان الخطأ الاستراتيجي؟*
الخطأ لم يكن في ما قيل، بل في ما لم يقل.
قال الخطاب: تدخلات خارجية. وقال: مليشيا إرهابية. هذا وصف ناعم.
والنتيجة رأيناها بالصوت والصورة في الفيديو المرفق من مجلس الأمن: ممثل الإمارات الكذوب يكرر نفس أسطوانته في كل جلسة: “الممثل الذي يتحدث باسم سلطة بورتسودان وهي أحد أطراف الحرب الأهلية.”
لماذا تجرأ؟ لأنه لم يسمع إدانة مباشرة في الجمعية العامة. لو كان وزير الخارجية سمى الأشياء بمسمياتها في نيويورك وأدان أبوظبي بالاسم، لما تجرأ مندوبها على هذا السجال، ولتلاشى هذا الجدل العقيم.
السجال الذي خاضه مندوبنا ببسالة في مجلس الأمن قائلاً: “اتهامات الإمارات الباطلة للنيل من القوات المسلحة التي تدافع ضد مليشيا تمولها الإمارات” – كان يمكن أن نستبقه بخطاب قوي في الجمعية العامة. نحن لا نريد أن نكون في موقع رد الفعل، نريد أن نكون في موقع الفعل الاستراتيجي.
*جوهر التزوير: القرار 1591*
هذا هو الذي يجب أن يهيئ لـ 9 أكتوبر.
نقولها بلا مواربة:
*القراران 1556 و 1591 الصادران عامي 2004 و 2005 هما قراران خاصان بإقليم دارفور فقط، صدرا لمنع توريد السلاح إلى الجماعات المتمردة. المعيار الأخلاقي والقانوني لهما كان حماية المدنيين في دارفور من المتمردين.*
ما تمارسه أبوظبي اليوم هو تزوير قانوني كامل: تحويل حظر دارفور المخصص للمليشيات إلى محاولة لفرض حظر شامل على الدولة السودانية وعلى القوات المسلحة السودانية في كل السودان.
لماذا؟ لخلق *مؤامرة التكافؤ.* إذا كان الجيش ممنوعاً من التسليح والمليشيا تتسلح عبر مطار أم جرس بآلاف اللاندكروزرات بتمويل إماراتي، فنحن أمام طرفين متكافئين في القانون. وهذه هي الجريمة الكبرى.
القوات المسلحة لها الحق السيادي الكامل في الدفاع عن كل شبر في السودان، بما في ذلك دارفور. حظر دارفور لا يمنع الجيش، بل يمنع المليشيا. لكن الانقلاب على منطق القرار جعل العكس هو السائد.
*الحلول الجذرية الاستراتيجية – ماذا كان يجب أن يقال؟*
الدولة الرصينة لا تشكو، الدولة الرصينة تطلب بمنطق القانون:
1. *من الوصف إلى التصنيف:* لا نقول مليشيا إرهابية فقط. نقول: “نطالب مجلس الأمن بتصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية وفق القرار 1373، وتجميد أصولها وحظر سفر قادتها واعتبار كل من يمولها شريكاً في الإرهاب.”
2. *من التدخلات إلى التسمية:* لا نقول تدخلات خارجية. نقول: “الراعي الرسمي والممول والمسلح هو دولة الإمارات العربية المتحدة، تحديداً أبوظبي التي لعبت دوراً كبيراً جداً جداً في هذه الحرب. أودعنا ثلاث شكاوى موثقة ونطالب بتفعيل المادتين 39 و41.”
3. *من رد الفعل إلى المسار السيادي:* المبعوث الشخصي زار قيادات التمرد وجلس معهم كطرف سياسي. هيبة المسار تقول: “أي تحرك للمبعوث يجب أن يكون عبر العاصمة القومية وبتنسيق كامل ومسبق مع وزارة الخارجية السودانية. نرفض أي تواصل أممي مع المليشيا خارج إطار الدولة.”
*معركة 9 أكتوبر: تفعيل العقل الاستراتيجي*
بعد أحد عشر يوماً، جلسة تجديد نظام العقوبات الخاص بدارفور. هذه ليست روتينية، بل هي معركة فك التزوير.
وهنا القراءة الاستباقية: حرب إثيوبيا أربكت حسابات الإقليم، لكن أبوظبي ستعمل المستحيل بأي ثمن لتقوية التمرد لوجستياً قبل استقرار الخارطة، وستحاول فتح نوافذ إمداد جديدة عبر إثيوبيا وجنوب السودان وتشاد تحت غطاء إنساني.
هل نذهب بيد فارغة؟
يجب أن نذهب بثلاثة مطالب هجومية:
1. كشف التزوير: 1591 خاص بدارفور ضد المليشيات، ولا يجوز استخدامه لحظر الجيش الوطني.
2. تشديد الحظر على شبكات أبوظبي: لجنة مراقبة دولية لمطار أم جرس ومسارات التهريب.
3. ربط التجديد بالتصنيف: لا تجديد دون تصنيف المليشيا إرهابية وتسمية راعيها.
*الخلاصة: الآن.. الدولة تنتفض وتأخذ الكتاب بقوة*
السيادة ليست خطاباً فقط.
السيادة هي مقولة فخامة الرئيس أمام شعبه في الاستاد: *”لا نريد تأشيرة من أحد وسيظل رأسنا مرفوعاً”*، والشعب قال كلمته خلفه: جيش واحد شعب واحد.
تلك هي اللحظة التي يجب أن نأخذ فيها الكتاب بقوة.
هذا هو الوقت الآن. الدولة تنتفض وتأخذ الكتاب بقوة، بالذات في الدبلوماسية، تتحول من دبلوماسية ناعمة ترد على الاتهامات، إلى دبلوماسية استراتيجية رصينة تفرض الحقيقة وتسمي المجرم وتطالب بتصنيفه.
من يأخذ الكتاب بقوة في الاستاد أمام شعبه، هو من يأخذه بقوة في نيويورك ومجلس الأمن يوم التاسع من أكتوبر.
*_وطن ومؤسسات… السودان أولاً وأخيراً…_*
*_د. عبدالعزيز الزبير باشا_*
*_29/09/2026_*

