
*حين يقول الرئيس: لا نريد تأشيرة.. ماذا يجب أن نقول نحن؟*
*من خطاب السيادة إلى سيادة الخطاب.. ضرورة أخذ الكتاب بقوة*
*يا يحيى خذ الكتاب بقوة.*
ليست آية للتلاوة فقط، بل هي عقيدة حكم في زمن الحرب الوجودية.
عندما قال السيد رئيس مجلس السيادة الإنتقالي من الأستاد أمس: *”لا نريد تأشيرة لدولة ولا إذناً من أحد.. سنبقى معكم هنا ونموت هنا”*، و *”سيظل رأسنا مرفوعاً ولن ننحني لأحد”*، و *”هدفنا تطهير كل السودان حتى دارفور من هؤلاء الأوباش”* – كان يضع النقطة الأخيرة في سطر السيادة الخارجية.
لكنه في نفس اللحظة، كان يفتح سطراً أخطر لم نكتبه بعد: سطر السيادة الداخلية.
إن الراهن الحربي الذي نعيشه هو راهن وجودي لا مساومة فيه، وقد حسمه الشعب وجيشه. لكن هذا الراهن الحربي لا يقف على فراغ، إنه مسنود – أو مهدد – براهن معيشي عقيم يكاد يفتك بصمود الناس.
*وهنا مكمن الخطر الاستراتيجي:*
*أولاً: حرب بلا دولة تخدمها، دولة تنتحر:*
لا يمكن أن نطلب من مواطن يقاتل معنا في معركة الكرامة، وهو يرى حكومة دولته التنفيذية غائبة، وخدماتها منعدمة، وأسواقه ينهبها السماسرة وتجار الأزمة. الصمود في الميدان يحتاج صموداً في الفرن، وفي المستشفى، وفي المدرسة. المعركة العسكرية لن تنتصر إذا انهارت الجبهة المعيشية.
*ثانياً: أخذ الكتاب بقوة.. يعني تفعيل المؤسسات لا تكبيلها :*
“أخذ الكتاب بقوة” في فقه الدولة اليوم يعني ثلاثة أشياء لا رابع لها:
*1. قوة القرار:* إيقاف حالة التردد والترهل. لا يمكن أن تدار دولة في حرب وجودية بعقلية تصريف الأعمال. نحتاج حكومة حرب رشيقة مختصه ، لا حكومة انتظار.
*2. قوة المؤسسة:* لا بد من تفعيل حقيقي ومرئي لمؤسسات الدولة. وزارة التجارة يجب أن تُرى في السوق، لا في التقارير. وزارة الصحة يجب أن تُرى في المستشفى، وهو ما حاولت مبادرة “ما نسيناكم” لفت النظر إليه. وزارة المالية يجب أن تُرى في جيب المواطن، لا في سعر الصرف.
*3. قوة المحاسبة:* لا سيادة بلا محاسبة. كل من يتاجر في قوت الناس في زمن الحرب، هو شريك للمليشيا وإن لم يحمل سلاحها. وكل مسؤول يعطل مصلحة مواطن، هو يطعن معركة الكرامة في ظهرها.
*ثالثاً: من الأستاد إلى الدولة:*
الرئيس حيا الشباب الذين يقاتلون في الصفوف الأمامية، والذين يذودون عن البلاد في وسائل التواصل، وفي الميادين الخضراء. هذا تقدير مستحق. لكن تحية الشباب لا تكون بالكلمات فقط، بل بأن نضع بين أيديهم مؤسسات رصينة تفخم هذا الوطن الفخيم.
طالما أن شباب السودان بهذه الطاقات والمبادرات – كما قال السيد الرئيس – فإن واجب الدولة أن لا تترك هذه الطاقات نهباً لليأس المعيشي، وأن تحولها من طاقة هتاف في الاستاد، إلى طاقة إنتاج في المصنع والحقل والمستشفى.
*الخلاصة الاستراتيجية:*
لقد قالها الرئيس واضحة: *لن نركع لكائن من كان.*
وهذا هو نصف النصر. النصف الآخر أن نقول نحن كدولة: *لن نترك مواطننا يركع للجوع والمرض واليأس.*
السيادة الخارجية التي أعلنها فخامة الرئيس أمس من الأستاد ، تحتاج سيادة داخلية تعلنها القيادة السياسية العليا للبلاد اليوم من الخرطوم: سيادة القانون على الفوضى، وسيادة المؤسسة على الفرد، وسيادة المواطن على تاجر الأزمة.
إما أن نأخذ الكتاب بقوة الآن، ونفعل دور المؤسسات بقوة وحسم، وإما أن نترك الراهن المعيشي العقيم يهزم الراهن الحربي الوجودي، لا قدر الله.
لقد قلنا للعالم: لا نريد تأشيرة من أحد.
والآن يجب أن نقول لأنفسنا: نريد هيبة دولة تليق بهذا الشعب الأبي البطل .
وطن و مؤسسات…
السودان أولاً وأخيراً…
د. عبدالعزيز الزبير باشا…
27/09/2026



