أخر الأخبار

دكتور عبد الناصر سلم يروي: 26 سبتمبر.. خفايا العبور ومعركة الخرطوم

من الحلفايا والكدرو إلى شمبات وسلاح الإشارة والقيادة العامة.. كيف بدأت معركة الجسور سلسلة من الالتحامات التي أعادت رسم خريطة العاصمة؟

صباح السادس والعشرين من سبتمبر 2024، استيقظت الخرطوم على معركة مختلفة. منذ الساعات الأولى كان صوت المدفعية حاضرًا بكثافة، والطيران في السماء، والتحركات العسكرية تجري في أكثر من اتجاه. لكن الأنظار سرعان ما اتجهت شمالًا، إلى جسر الحلفايا، حيث كانت واحدة من أهم محاولات الجيش لتغيير الوضع الميداني داخل العاصمة قد بدأت. يومها وصفت رويترز العملية بأنها أكبر هجوم للجيش في الخرطوم منذ أشهر، فيما تبادل الجيش وقوات الدعم السريع روايات متعارضة عن نتائج الساعات الأولى. وسط ذلك كله، كان هناك سؤال أهم من أخبار التقدم والتراجع في ذلك الصباح: هل يستطيع الجيش ربط قواته المنتشرة في مواقع متباعدة داخل العاصمة؟

لفهم أهمية السؤال، يكفي النظر إلى خريطة الخرطوم يومها. كان الجيش موجودًا في كرري والمهندسين بأم درمان، وفي الكدرو شمال بحري، وسلاح الإشارة جنوبها، والقيادة العامة وسط الخرطوم، والمدرعات في الشجرة. مواقع مهمة، لكنها منفصلة عن بعضها بمساحات واسعة تنتشر فيها قوات الدعم السريع. لذلك لم تكن المعركة على حي أو شارع فقط؛ كانت معركة على الطرق والجسور وخطوط الإمداد، وعلى قدرة كل طرف على التحرك بين مواقعه. ومن هنا تحديدًا جاءت أهمية الحلفايا. فالوصول إلى الطرف الآخر من الجسر شيء، والقدرة على البقاء هناك وتأمين القوات ثم الاتصال بالقوات الموجودة في العمق شيء آخر تمامًا.

والحلفايا لم تكن محورًا جديدًا على المعركة. ففي 31 مايو 2024 خاض الجيش محاولة سابقة عبر الجسر، ووصلت قواته إلى الضفة الشرقية قبل أن تتراجع من المواقع التي دخلتها من دون أن تحتفظ بموطئ قدم دائم. لذلك حملت محاولة سبتمبر تحديًا أكبر: ألا يتكرر سيناريو مايو. هذه المرة كان العبور يحتاج إلى قوة أخرى تتحرك من الداخل، وهنا أصبحت الكدرو جزءًا أساسيًا من المشهد. وبينما تقدمت قوات من جهة أم درمان نحو شمال بحري، تحركت قوات منطقة الكدرو العسكرية في الاتجاه المقابل، وبدأت المسافة بين القوتين تضيق حتى تحقق الالتحام خلال الأيام التالية.

قد تبدو كلمة «الالتحام» عسكرية وجافة، لكنها تختصر كثيرًا مما حدث. قبل ذلك كانت هناك قوات تفصل بينها مناطق يسيطر عليها الخصم أو يدور فيها القتال. بعده أصبح بالإمكان نقل القوة والإمداد والتحرك على مساحة أكثر اتصالًا. لم تعد الحلفايا مجرد نقطة عبور، ولم تعد الكدرو موقعًا معزولًا في شمال بحري كما كانت من قبل. ومن هناك بدأ خط القتال يتحرك جنوبًا. وهذه النقطة مهمة لفهم الأشهر التالية، لأن ما حدث بين الحلفايا والكدرو سيتكرر لاحقًا، وعلى نطاق أكبر، عندما اقتربت قوات شمال بحري من سلاح الإشارة والقيادة العامة.

لكن الطريق جنوبًا لم يكن سهلًا. بعد مناطق شمال بحري تبدأ بيئة مختلفة تمامًا: الدروشاب، ثم شمبات، وشارع المعونة، وأحياء مكتظة ومبانٍ مرتفعة وشوارع فرعية كثيرة. هنا لم تعد المسألة عبور جسر أو تثبيت رأس جسر؛ أصبحت قتال مدن. وفي هذا النوع من المعارك قد يكون مبنى مرتفع أهم من مساحة كبيرة من الأرض، وقد يتحول تقاطع طرق صغير إلى عقدة تؤخر محورًا كاملًا. وكان شارع المعونة واحدًا من مفاتيح هذه المرحلة، لأنه يمتد عبر بحري ويتيح الحركة بين شمال المدينة ووسطها وجنوبها.

ولهذا لم يؤد عبور سبتمبر إلى انهيار سريع لمواقع الدعم السريع في بحري. المعركة امتدت لأشهر، والتقدم كان يتوقف في مناطق ويستأنف في أخرى. ومع كل كيلومتر تتقدم فيه القوات جنوبًا، كان خط الإمداد خلفها يطول، وتزداد الحاجة إلى تأمين الأحياء والطرق التي جرى تجاوزها. وفي المقابل، احتفظ الدعم السريع بمواقع في شمبات وكافوري ومناطق أخرى، وحاول الاستفادة من طبيعة المدينة والمباني المرتفعة لإبطاء التقدم.

بحلول يناير 2025 بدأت الصورة تتغير بسرعة أكبر. تقدمت قوات الجيش داخل شمبات وعلى امتداد أجزاء من شارع المعونة، بينما تحدثت مصادر عسكرية عن قناصة وعناصر تستخدم صواريخ مضادة للدروع من مبانٍ مرتفعة، بينها أبراج البشير والأبراج الزرقاء. وبحسب تلك المصادر، كانت هذه المواقع من أسباب بطء التقدم في بعض المراحل. وهي تفاصيل يصعب التحقق المستقل من جميعها، لكنها تساعد في تفسير طبيعة القتال الذي دار داخل بحري: حرب شوارع لا تشبه في تفاصيلها معركة الجسر التي بدأت منها القصة.

وفي 21 يناير أصبح المشهد أكثر وضوحًا. قوات سلاح الإشارة كانت تتحرك من الجنوب والشمال الغربي، وفي الوقت نفسه كانت القوات القادمة من الحلفايا والكدرو والدروشاب تدفع جنوبًا. المسافة بين الطرفين أخذت تتقلص، فيما تحدثت مصادر ميدانية عن تراجع قوات من الدعم السريع شرقًا باتجاه كافوري. عند هذه المرحلة لم تعد الأخبار الأهم تتعلق بعدد الأحياء التي تغيرت السيطرة عليها، بل بالمسافة التي بقيت بين قوتين من الجيش ظلتا لفترة طويلة منفصلتين.

ثم جاء 24 يناير. أعلن الجيش التقاء قوات محور بحري بقواته في القيادة العامة، بالتزامن مع فك الحصار عن سلاح الإشارة بعد معارك عنيفة في بحري. وهنا ظهر للمرة الأولى بوضوح معنى ما بدأ قبل أربعة أشهر عند الحلفايا. القوة التي بدأت حركتها من أقصى شمال بحري لم تعد تقاتل من أجل تثبيت وجودها قرب الجسر؛ أصبحت جزءًا من محور وصل إلى سلاح الإشارة ثم القيادة العامة. ودخلت الإمدادات إلى مواقع ظلت لفترة طويلة تحت الضغط والحصار.

لم يعد الجسر هو القصة؛ القصة أصبحت ما فتحه الجسر خلفه.

وهذه ربما أفضل طريقة لقراءة معركة الخرطوم. فالأحداث إذا رُويت يومًا بيوم تبدو أحيانًا كسلسلة طويلة من أسماء الأحياء والشوارع: الحلفايا، الكدرو، الدروشاب، شمبات، المعونة، سلاح الإشارة، القيادة العامة. لكن وضع هذه المواقع على الخريطة يكشف قصة مختلفة. كانت هناك قوات متباعدة، وبينها فجوات واسعة. ومع مرور الوقت بدأت تلك الفجوات تضيق، ثم بدأت القوات تلتقي.

ولم تتوقف القصة عند بحري. ففي جنوب الخرطوم كان سلاح المدرعات في الشجرة يخوض معركته الخاصة. ومع بداية مارس تحركت قواته شمالًا وشرقًا، وسيطرت، وفق بيانات الجيش وتقارير ميدانية، على مناطق في الخرطوم 2 والخرطوم 3 ومحيط جسر المسلمية وأبراج النيلين. وفي 17 مارس أعلن الجيش التحام قوات المدرعات بقواته في القيادة العامة. وبذلك اكتملت حلقة أخرى: كما جاءت قوات شمال بحري من الشمال نحو القيادة، وصلت قوات المدرعات إليها من الجنوب.

هذه التحركات لا تعني أن قوات الدعم السريع انهارت دفعة واحدة. ففي حروب المدن يمكن للقوة أن تفقد شارعًا وتعيد تنظيم دفاعاتها في شارع آخر، أو تنسحب من حي إلى منطقة أكثر ملاءمة للقتال. لكن المشكلة تبدأ عندما تتراكم الخسائر الجغرافية: طريق يُفقد هنا، مركز قيادة ينتقل هناك، سلاح ثقيل يُسحب إلى الخلف، والمساحات المتاحة للمناورة تصبح أضيق. عندها لا تعود خسارة الأرض مجرد تغير في لون الخريطة، بل تؤثر في طريقة إدارة المعركة نفسها.

أما الخسائر البشرية في بحري، فهي من أكثر الملفات التي تحتاج إلى الحذر. وقد تحدثت إلى مصادر على صلة بالميدان قدمت لي تقديرات لأعداد قتلى الدعم السريع خلال مراحل مختلفة من المعارك، لكنني أتحفظ عن نشر تلك الأرقام لأنني لم أتمكن من مطابقتها مع إحصاء مستقل أو مصادر محايدة. وما يمكن قوله بدرجة أكبر من الثقة هو أن القتال أوقع خسائر بشرية، وترافق مع انسحابات من مواقع وتغير في خطوط الانتشار وفقدان طرق ومناطق كانت مهمة للحركة داخل بحري. وفي مادة صحفية كهذه، يبقى الرقم الذي لا يمكن التحقق منه أقل قيمة من واقعة يمكن تتبعها على الأرض.

وفي 21 مارس أعلن الجيش السيطرة على القصر الجمهوري في قلب الخرطوم بعد معارك عنيفة، فيما استمر القتال في المناطق المحيطة. وبعد ذلك اتسعت سيطرته على مواقع أخرى في وسط العاصمة، وبحلول 26 مارس كانت قوات الدعم السريع قد فقدت معظم مواقعها في وسط الخرطوم، بينما وصل عبد الفتاح البرهان جوًا إلى مطار الخرطوم وتفقد عددًا من المواقع. لم تكن الحرب قد انتهت بالطبع، ولم يكن خروج الدعم السريع من معظم الخرطوم يعني نهاية قدرته العسكرية في السودان، خصوصًا مع استمرار الحرب في مناطق أخرى من البلاد. لكنه كان يعني أن خريطة العاصمة التي عرفها الطرفان طوال فترة طويلة من الحرب تغيرت بصورة كبيرة.

وكان للمشهد وجه سياسي أيضًا. ففي اليوم الذي بدأت فيه عملية 26 سبتمبر كان البرهان موجودًا في نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وألقى في اليوم نفسه خطابًا تناول فيه الحرب وشروط الوصول إلى السلام. رأى بعض المحللين في التزامن رسالة سياسية، لكن لا توجد وثيقة علنية تثبت أن توقيت العملية اختير لهذا الغرض. الثابت فقط أن المعركة كانت تتحرك على الأرض في اللحظة نفسها التي كان فيها الملف السوداني حاضرًا في نيويورك. وفي حرب طويلة كهذه، يصعب أصلًا فصل الميدان تمامًا عن السياسة؛ فما يحدث على الأرض يغير بطبيعته أوراق الأطراف ومواقعها في أي مسار تفاوضي.

هذه التحركات لا تعني أن قوات الدعم السريع انهارت دفعة واحدة. ففي حروب المدن يمكن للقوة أن تفقد شارعًا وتعيد تنظيم دفاعاتها في شارع آخر، أو تنسحب من حي إلى منطقة أكثر ملاءمة للقتال. لكن المشكلة تبدأ عندما تتراكم الخسائر الجغرافية: طريق يُفقد هنا، مركز قيادة ينتقل هناك، سلاح ثقيل يُسحب إلى الخلف، والمساحات المتاحة للمناورة تصبح أضيق. عندها لا تعود خسارة الأرض مجرد تغير في لون الخريطة، بل تؤثر في طريقة إدارة المعركة نفسها.

أما الخسائر البشرية في بحري، فهي من أكثر الملفات التي تحتاج إلى الحذر. وقد تحدثت إلى مصادر على صلة بالميدان قدمت لي تقديرات لأعداد قتلى الدعم السريع خلال مراحل مختلفة من المعارك، لكنني أتحفظ عن نشر تلك الأرقام لأنني لم أتمكن من مطابقتها مع إحصاء مستقل أو مصادر محايدة. وما يمكن قوله بدرجة أكبر من الثقة هو أن القتال أوقع خسائر بشرية، وترافق مع انسحابات من مواقع وتغير في خطوط الانتشار وفقدان طرق ومناطق كانت مهمة للحركة داخل بحري. وفي مادة صحفية كهذه، يبقى الرقم الذي لا يمكن التحقق منه أقل قيمة من واقعة يمكن تتبعها على الأرض.

وفي 21 مارس أعلن الجيش السيطرة على القصر الجمهوري في قلب الخرطوم بعد معارك عنيفة، فيما استمر القتال في المناطق المحيطة. وبعد ذلك اتسعت سيطرته على مواقع أخرى في وسط العاصمة، وبحلول 26 مارس كانت قوات الدعم السريع قد فقدت معظم مواقعها في وسط الخرطوم، بينما وصل عبد الفتاح البرهان جوًا إلى مطار الخرطوم وتفقد عددًا من المواقع. لم تكن الحرب قد انتهت بالطبع، ولم يكن خروج الدعم السريع من معظم الخرطوم يعني نهاية قدرته العسكرية في السودان، خصوصًا مع استمرار الحرب في مناطق أخرى من البلاد. لكنه كان يعني أن خريطة العاصمة التي عرفها الطرفان طوال فترة طويلة من الحرب تغيرت بصورة كبيرة.

وكان للمشهد وجه سياسي أيضًا. ففي اليوم الذي بدأت فيه عملية 26 سبتمبر كان البرهان موجودًا في نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وألقى في اليوم نفسه خطابًا تناول فيه الحرب وشروط الوصول إلى السلام. رأى بعض المحللين في التزامن رسالة سياسية، لكن لا توجد وثيقة علنية تثبت أن توقيت العملية اختير لهذا الغرض. الثابت فقط أن المعركة كانت تتحرك على الأرض في اللحظة نفسها التي كان فيها الملف السوداني حاضرًا في نيويورك. وفي حرب طويلة كهذه، يصعب أصلًا فصل الميدان تمامًا عن السياسة؛ فما يحدث على الأرض يغير بطبيعته أوراق الأطراف ومواقعها في أي مسار تفاوضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر + إحدى عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى