أخر الأخبار

العلاقات السودانية الأمريكية بين مشروعية النظام السوداني وفقدان نقطة التوازن

بقلم/شرف الدين أحمد حمزة
المدير العام الاسبق للإدارة السياسية والاعلام بالأمانه العامة لمجلس الوزراء _ الخرطوم

الحلقة الاولي:-

..مثٌل قرار الولايات المتحدة الأمريكية بالإمتناع عن منح السيد/ الفريق أول/ عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان تأشيرة دخول للولايات المتحدة لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها رقم 81 مثل نقطة ومحطة صادمة في سجل العلاقات السودانية الأمريكية سيما والسودان يشهد وضعا إستثنائيا حرجا بسبب الحرب التي فُرضت عليه فرضا مخلفة هذا الدمار الكبير علي جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية وتعطيل دوائر الانتاج والتداعيات المرعبة “لميكانيكا” النزوح واللجوء والهجرة الخارجية وخلخلة النظام الاجتماعي السوداني إجمالا..

..مبادئ السياسة الدولية وفلسفة وقرار تأسيس منظمة الأمم المتحدة تتعارض تعارضا بيٌناً والقرار الأمريكي بالحيلولة دون حضور رؤساء الدول لإجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ولكن في عصر الهيمنة الأحادية الأمريكية أصبحت منظمة الأمم المتحدة ” إدارة” و أداة من ادوات البيت الأبيض الأمريكي وتبعا للرئاسة الأمريكية جمهورية كانت ام ديمقراطية بل اضحي الامين العام لمنظمة الأمم المتحدة ضمن طاقم العاملين في وظائف أعمال السيادة الأمريكية بمعني الكلمة

..بالرغم من اختلافنا مع توجهات السيد الفريق أول عبدالفتاح البرهان وطرائق تفكيره التي يدير بها دفة حكوماته الانتقالية المتعاقبة وكذالك إدارته بنزعة إنفرادية محضة لأعمال السيادة السودانية ذات الارتباط المباشر بمستقبل الامن القومي الاستراتيجي السوداني وذات التأثير المباشر بهوية الشعب والدولة السودانية في إطار الاطروحات الاقليمية المتعلقة بالنظام الشرق اوسطي الجديد تحت ظلال الابراهيمية السياسيه والتطبيع الكامل مع دولة العدو الصهيوني بمبادئه التلمودية بما جعل السفاح بنجامين نتنياهو يحمل أمام قادة دول العالم في الجلسة الماضية لإجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة جعلته يحمل خارطة الدول العربية المطبعة مع دولة الكيان العبري ومن بينها السودان ويتباهي بالحزام الصهيوتوراتي العربي الجديد _ وذلك كله في غيبة المؤسسات الدستورية والتشريعية والتنفذية المنتخبة إلا اننا نستنكر القرار الأمريكي المتعسف في حق سعادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الإنتقالي السوداني والإحجام عن منحه تأشيرة الدخول الي الولايات المتحدة الأمريكية كرئيس دولة مستقلة حرة ذات سيادة علي كامل اراضيها وتنعم سفارات بلدان العالم في كنف عاصمتها الخرطوم بجميع مقتضيات العمل الدبلوماسي بين الدول فضلا عن كونها معترف بها عالميا ومعتمدة ضمن البلدان التي لها كامل العضوية بمنظمة الأمم المتحدة وتستضيف العديد من وكالتها بالسودان وتشارك بعضويتها في جميع أعمال وانشطة وكالاتها المتخصصة المنتشرة بين العواصم العالمية..

..لقد إنتهكت الولايات المتحدة الأمريكية حقا اساسيا مشروعا للشعب السوداني وحرمت رئيسه الفريق أول عبدالفتاح البرهان من ان يقف علي منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة ضمن هذا المحفل الدولي ليشرح للعالم اسباب الحرب علي السودان التي تلوي عنقها ليل نهار السنة الفضائيات المتنطعة وتصفها بكونها مجرد حرب اهلية تتتازع علي السلطة وكراسي الحكم ، وامتناع الولايات المتحدة الأمريكية عن منح تأشيرة الدخول لرئيس السودان يعد جريمة كبري ومباشرة ضد حقوق الشعب السوداني الدولية وتعد فسخا وتعديا علي مبادئ منظمة الأمم المتحدة ومشروعية تأسيسها واختيار مقرها كأرض دولية محايدة _ واعتقد أن الدبلوماسية السودانية ذات الاصول العريقة المتمرسة في العمل الدبلوماسي ستقوم بواجبها الوطني استردادا لحق الشعب السوداني وكرامتة التي اهدرها القرار الأمريكي بالإمتناع عن منح رئيسه الفريق أول عبدالفتاح البرهان تأشيرة الدخول للولايات المتحدة الأمريكية ضمن المحفل العالمي لرؤساء بلدان العالم لمخاطبة الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة…

ولكن.. إن التتبع العلمي الموضوعي لتاريخ ومسارات العلاقات السودانية الأمريكية منذ باكورة استقلال السودان يكتشف ان هذه شهدت العديد من مراحل وازمنة الانسجام والتوافق كما شهدت تذبذبات ومطبات سياسية وفي مراحل اخري شهدت العلاقات السودانية الأمريكية عواصف سياسية هوجاء إنتهت نهايات درامااتيكية ومأساوية لكن الناظر لمحصلة هذه العلاقات يكتشف الفشل الذريع في الوصول لنقطة التلاقي” أو ” التوازن” في العلاقات السودانية الأمريكية بالرغم من توفر كافة العوامل والاسباب المادية والجيويولوتيكية والجيوستراتيجية التي كان من الممكن ان يّعول عليها كثيرا في بناء علاقة دبلوماسية أمريكية نموذجية وذلك من أزمان وحقب ومناخات سياسية وانظمة حكم متعددة مرت على البلدين لكل منها طابعها وخصوصيتها ولكني هنا اقرر من واقع خبرتي ومتابعتي اللصيقة لسجل العلاقات السودانية الأمريكية ان السودان يمثل أهمية كبري وعظمي بل ومتعاظمة في العقل السياسي والاقتصادي والاستراتيجي الأمريكي أمس واليوم وغدا ولحين اشعار آخر تبعا لما خبرناه في تتبعنا العواصف الهوجاء علي النحو الذي كان في نهاية حكم المشير/جعفر نميري عام 1985 أو علي النحو الذي نشهده الان في عصر الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الإنتقالي وامتناع الولايات المتحدة عن منحه تأشيرة دخول اليها ليتمكن من تمثيل الشعب السوداني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها رقم 81..

…في اعقاب إعلان السودان لإستقلاله من داخل البرلمان وحصوله علي الاعتراف من دولتي الحكم الثنائي بريطانيا ومصر وتكوين أول حكومة وطنية رأت الولايات المتحدة الأمريكية باكرا ان تتقدم لخطب وُد السودان المستقل فأوفدت نائب الرئيس الأمريكي المستر/ ريتشارد نيكسون الي الخرطوم حاملا عرضا سخيا من حكومة الولايات المتحدة لحكومة الاستقلال ممثلا فيما يعرف بالمعونة الأمريكية وكان السودان المستقل من اوائل البلدان التي عرضت عليها الولايات المتحدة الأمريكية بسخاء بازخ هذا العرض لكن الزعيم اسماعيل الازهري رئيس أول حكومة سودانية في اعقاب الاستقلال رفض هذا العرض الأمريكي شاكرا لها اريحيتها وقد برر لأعضاء حكومته إن رفضه لبرنامج المعونة الأمريكية حتي لا تتهم أول حكومة سودانية وليدة انها قد ارتمت في احضان الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الغربي بصفة عامة بما قد يجلب حنق وغضب وتوجس دول الجوار الافريقي والعربي والبلدان الاسيوية_ وتكررت المحاولة الأمريكية بعرض برنامج المعونة الأمريكية بعد اكتساح حزبه للانتخابات في اول انتخابات برلمانية حرة ورئاسته للحكومة ورفضت لذات الاسباب..

…في اعقاب إندلاع أول إنقلاب عسكري في السودان ونعني به انقلاب 17/نوفمبر/1958 برئاسة الفريق ابراهيم عبود “باشا” لم تضع الولايات المتحدة الأمريكية الفرصة فأوفدت المستر/ ريتشارد نيكسون علي الفور حاملا حقائب العرض الأمريكي السخي لبرنامج المعونة الأمريكية حيث شكل هذا العرض الأمريكي حيرة لحكومة الفريق عبود من بعض اعضاء المجلس الاعلي للقوات المسلحة متأثرين بالمبررات التي سبق ان استند عليها الزعيم اسماعيل الازهري قبل الانقلاب علي حكومته في اول ديمقراطية وليدة بالسودان في اعقاب نيله للاستقلال لكن الاجتماع المشترك للمجلس الاعلي للقوات المسلحة ومجلس الوزراء برئاسة الفريق ابراهيم عبود باشا قدم السيد / احمد خير “المحامي” وزير الخارجية مرافعة كبيرة مستندة الي مواهبه الفذه في فنون المرافعات القضائيه في مواجهة اعضاء المجلس العسكري الإنتقالي الذين ابدوا تخوفاتهم من ان تكون المعونة الأمريكية استدراجا للحكومة العسكرية ومنفذا للتدخل في الشئون السياسيه الداخليه للبلاد..لكن السيد / احمد خير وزير الخارجية اشار الي إن العرض الأمريكي لبرنامج المعونة الأمريكية يمثل عرضا سخيا يتوافق مع توجهات الحكومة سيما وان الحكومة العسكرية كانت قد خططت لأول خطة رباعيه للتنمية المستدامة في البلاد واضاف بأن برنامج المعونة الأمريكية المعروض علي الحكومة سيساعد في تأسيس البنيات الاساسية التي تشملها خطة التنمية المستدامه المحازه من جانب الحكومة من حيث انشاء الطرق والسكك الحديدية والنقل النهري والبحري واسطول الطيران المدني والمصانع لتوطين العديد من خطوط الانتاج الصناعي الوطني وهكذا اضاف السيد احمد محمد خير وزير الخارجية أمام اجتماع مجلس وزراء حكومة الفريق ابراهيم عبود باشا بأنه اذا تبين للحكومة في اي وقت ان هناك ثمة محاولات للاحتواء أو التدخل الأمريكي في شئوننا الداخلية فإن لا يتطلب سوي مثل هذا الاجتماع واصدار قرار بالانسحاب ورفض ما تبقي من مراحل تنفيذ برنامج المعونة الأمريكية وعلي الفور اقنعت مرافعة السيد احمد خير المحامي وزير خارجية حكومة عبود جميع اعضاء الاجتماع المشترك للمجلس الاعلي للقوات المسلحة ومجلس الوزراء وصدر القرار بالاجماع بالموافقة علي قبول السودان لبرنامج المعونة الأمريكية وبدأت ترجمته وتجسيده علي الفور وبدت بوادر رخاء اقتصادي ورفاهة اجتماعية لمسها الشعب السوداني وعاش في كنفها

…مضت برامج وخطة التنمية الرباعية للتنمية المستدامة إبان حكومة الفريق عبود تبدو جلية للعيان وعندها تقدمت الحكومة الأمريكية تحت رئاسة أشهر رؤسائها المستر / جون كنيدي بدعوه للفريق ابراهيم عبود رئيس المجلس العسكري الاعلي الإنتقالي الحاكم في السودان لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية وبالفعل لبي الفريق عبود دعوة الرئيس الأمريكي جون كنيدي حيث تم إستقبال الفريق عبود إستقبالا باذخا داخل البيت الأبيض الأمريكي حيث كان في مقدمة مستقبليه الرئيس الأمريكي الاشهر جون كنيدي وزوجته الفاتنة الحسناء چاكلين كيندي معشوقة الشعب الأمريكي وكانت إقامة الرئيس بالجناح الخاص بالبيت الأبيض الأمريكي إمعانا في التكريم..

..اظهر الرئيس جون كنيدي إنبهاره بشخصية الفريق عبود وطيبته التي بدت خلال حفل الافطار الصباحي المقام علي شرف الرئيس عبود وكانت الفاتنة الحسناء چاكلين زوجة الرئيس الأمريكي التي يلقبها الشعب الأمريكي ب”چاكي” حاضرة علي مائدة الافطار بجوار زوجها الرئيس الأمريكي – لكن الرئيس الأمريكي جون كنيدي إحتار في كيفية الرد علي سؤال تقدم به الفريق عبود علي سبيل المجاملة علي مائدة الافطار الرئاسي الصباحي عندما توجه الفريق عبود بسؤال مباغت للرئيس الأمريكي سائلا إياه في بساطة وطيبة اهل السودان قائلا له متسائلا عن صحة والده “ابوك كيف” حيث تقول المدونات ان الرئيس الأمريكي قد إرتبك ونظر الي زوجته في دهشه وحيره ولكنه استجمع سريعا وقاره ورباطة جأشه مجيبا ( good..good) ..

..اثناء الافطار الرئاسي علي مائدة الرئيس وتبادل كلمات المجاملات بين الرئيس السوداني الفريق ابراهيم عبود والرئيس الأمريكي جون كنيدي بادر الرئيس الأمريكي الفريق عبود بسؤال مباغت موجها إليه السؤال بقوله “ماذا تريدون من الولايات المتحدة الأمريكية وطلباتكم منها لقاء زيارتكم هذه ياسيادة الرئيس” ..عندها لم يتلعثم الرئيس السوداني الفريق عبود موجها حديثه مباشرة للرئيس الأمريكي جون كنيدي قائلا ” نحن ياسيادة الرئيس لانريد شيئا من الولايات المتحدة وانما جاءت زيارتنا اليكم لتنمية عُري الصداقة بين بلدينا وان الزيارة انما جاءت تلبية لدعوتكم الكريمة ” .. ثم مضي الرئيس السوداني الفريق عبود ليقول ( إن السودان هو بلد غني وثري بموارده الطبيعية من المياه والمعادن واراضيه الزراعيه الشاسعه الخصبة وامتلاك لقطيع كبير من الثروة الحيوانية من اجود انواع الابقار والجمال والضأن والماعز فضلا عن تمتعنا بموقع جغرافي متميزا وله حدود لعشرة من دول الجوار العربي والافريقي كما لنا علاقات دبلوماسية مع دول الجوار العربي والافريقي وبلدان العالم المحبة للسلام ومضي الفريق عبود ليقول ان كل ذلك كان من اكبر العوامل التي ساعدتنا وهيأت لنا الفرصة لإعداد خطة رباعيه للتنمية المستدامة في بلادنا تسير بخطة جيدة..عندما انتهي الفريق عبود من حديثه للرئيس الأمريكي علي مائدة الافطار الرئاسي وشكرة علي حُسن الانصات والاهتمام كان الرئيس الأمريكي جون كنيدي ينظر ويحدق فيه مليا سيما وان الرئيس السوداني الفريق عبود كان يقدم عرضه المعلوماتي التعريفي عن وطننا بلغة انجليزية رصينة جذبت إليه انظار الرئيس الأمريكي ومستشاريه لكن المفاجأة الطريفة أن الرئاسه الأمريكية بالبيت الأبيض كانت قد اعدت للرئيس الضيف برنامجا لزيارة بعض المؤسسات العسكرية والمؤسسات الإجتماعية وكان بينها زياره لاحد مراكز ايواء العجزة والمسنين وفي ذات الوقت كان الرئيس الأمريكي يتابع عبر التقارير اليومية المرفوعه إليه حول مجريات زيارة الضيف وكانت الدهشه الكبري عندما طالع الرئيس الأمريكي عبر التقرير اليومي لثالث أيام الزيارة ان الرئيس السوداني الفريق ابراهيم عبود في ختام زيارته لدار ايواء العجزة والمسنين ان قام بالتبرع بمبلغ 200,000 ( مائتا الف دولار أمريكي) لصالح صندوق تسيير أعمال الايواء هذه ، وان التقرير اشار الي أن سفير السودان بالولايات المتحده قد بعث بشيك بمبلغ التبرع الرئاسي عقب انتهاء زيارة الرئيس السوداني مباشرة ومغادرته لدار الايواء الأمر الذي ادهش الرئيس الأمريكي جون كنيدي وان مصادر مطلعه كانت قد ذكرت ان الرئيس الأمريكي كان قد طلب الي مساعديه من مستشاري البيت الأبيض ان يعيدوا كتابة تقريرهم الذي رفعوه إليه عن السودان مسبقا قبل الزيارة المدهشه التي قام بها السيد الفريق ابراهيم عبود رئيس المجلس الاعلي للقوات المسلحة الحاكم في السودان.

…من يرغب للإستزادة في هذا الجانب المتعلق بزيارة الفريق عبود الي الولايات المتحدة الأمريكية علية مراجعة كتاب (في بلاط الدبلوماسية والسلطة) لسعادة السفير ابوبكر عثمان محمد صالح وزير شئون رئاسة مجلس الوزراء في العصر المايوي…

..إما ذروة ارتفاع ترمومتر حالة العلاقات السودانية الأمريكية فقد كانت في العصر المايوي إبان معظم سنوات حكم المشير جعفر محمد نميري لكن هذه العلاقات التي شهدت رضاءً امريكيا عن مسار هذه العلاقات ومنجزاتها إلا انها وياللعجب فقد انتهت وتحطم هيكلها بنهاية دراماتيكية اودت بنظام المشير نميري نفسه الي اضابير صفحات التاريخ .

…فبعد ان فشل الإنقلاب الشيوعي عام 1971 بتدبير الحزب الشيوعي السوداني بقيادة الرائد هاشم محمد العطا الذي تم إعدامه فور القاء القبض عليه واعدمت معه القيادة التاريخيه للحزب الشيوعي السوداني بدءا بعبد الخالق محجوب سكرتير عام ال حزب الشيوعي السوداني والشغيع احمد الشيخ القائد العمالي الشيوعي والذي كان في ذات الوقت مرشحا لمنصب وزير شئون رئاسة مجلس الوزراء والمحامي الشيوعي الجنوبي جوزيف قرنق وكذلك تم إعدام قادة مجلس قيادة الانقلاب الشيوعي الذين قدموا من العاصمة البريطانية لندن وهم العميد بابكر النور سوار الذهب، والرائد فاروق عثمان حمدالله الذين اعتقلهم العقيد معمر القذافي واجبر طائرة الخطوط الجوية البريطانية علي الهبوط إضطراريا في مطار طرابلس ومن ثم بعث بهما علي متن طائرة عسكريا فورا الي الخرطوم حيث تم إعدامهما بعد محاكمة عسكرية عاجلة في المنطقة العسكرية بالشجرة

كانت الحرب في جنوب السودان قد اشتد اوارها وشكلت استنزافا كبيرا للاقتصاد السوداني وموارده البشرية وكانت العلاقات الأثيوبية السودانية في حالة اتزان ولايعكر صفوها سوي بعض مناوشات العناصر المتفلته الذين يطلق عليهم مسمي “الشفته وكانت القوات المسلحة السودانيه تردعهم كلما تمادوا في التوغل نحو “الفشقات” الثلاث علي الحدود السودانية الأثيوبية قبالة محافظة القضارف وفق التقسيم الاداري للمحافظات والاقاليم في ذاك العهد _ لكن هذا كله لم يكن ليعكر صفو العلاقات بين البلدين الجارين لخصوصية العلاقات التاريخية والاجتماعية الرابطه بين اثيوبيا والسودان سيما وان الامبراطور هيلاسيلاي كان ما يزال يدين بالفضل للجيش السوداني الذي اعاده الي كرسي عرشه عقب الانقلاب الذي قاده نجله ضده.

ولما كانت العلاقات الأمريكية الأثيوبية تمتاز بخصوصية تحت ظلال حكم الامبراطور بعثت الولايات الأمريكية عبر الامبراطور هيلاسيلاي امبراطور إثيوبيا بمبادرة للحكومة السودانيه للتوسط لحل مشكلة جنوب السودان وايقاف الحرب بين الاشقاء في الشمال و الجنوب وذلك بدعم من إثيوبيا والولايات المتحده الأمريكية وبريطانيا والكنيسه العالمية والفاتيكان ودول الجوار النيلي الافريقي والعديد من البلدان الاوربية

لم يضع المشير/ جعفر نميري عرض المبادرة الأثيوبية الأمريكية المدعومة من دول ومؤسسات لها وزنها وتأثيرها وعلي الفور كانت العاصمة الأثيوبية “اديس ابابا” مقراً لمباحث السلام القادم وسرعان ماتوصل الطرفان الي ما عرف وقتها بإتفاقية اديس ابابا للسلام وتم توقيع الاتفاقية بالعاصمة الأثيوبية في 9/6/1972 ووضعت الحرب اوزارها وعم الفرح جميع ارجاء السودان فرحاً بالاتفاقية وغني الشعب السوداني الفنان صلاح مصطفي بعربي جوبا ( مافي جنوب بدون شمال ، ومافي شمال بدون جنوب ، كلنا اخوان) ..

..بدأت تنفيذ إتفاقية السلام بين الشمال و الجنوب بداية فورية جادة حيث تم الاعلان عن منح جنوب السودان (الحكم الزاتي الاقليمي) في إطار السودان الموحد الواحد ، وتم الاعلان عن انشاء المجلس العالي التنفيذي للاقاليم الجنوبية برئاسة المحامي الجنوبي / ابيل ألير ومقره عاصمة الجنوب “جوبا” وتم تقسيم إداري للجنوب بمحافظات الثلاثة وهي إقليم أعالي النيل وعاصمته ملكال واقليم بحر الغزال وعاصمته واو ثم محافظة الاستوائيه وعاصمتها “جوبا” وبدأت شرايين الحياه تنفتح بين الشمال و الجنوب حيث تمت استعادة حركة النقل النهري عبر النيل الأبيض من كوستي الي جوبا وكذلك السكك الحديدية من الخرطوم حتي واو عاصمة بحر الغزال ومن ثم نشطت حركة التجارة وتبادل المنافع كما بدأت الدعومات الأجنبية تتدفق لإعمار ماخربته حرب الجنوب.

كانت مقومات تمتين اواصر الوحدة الوطنية بين شمال و جنوب السودان بعد توقيع إتفاقية السلام تزداد رسوخا يوما بعد آخر فقد كانت إذاعة الوحدة الوطنية البرنامج الموجه لاقاليم الجنوب من الاذاعه القوميه هنا ام درمان والناطق بعربي جوبا من العوامل الاكثر اهميه في توحيد الوجدان العام بين شعبي الجنوب والشمال ، كما بدأت ترجمة اوجه الدعم الخارجي الي مشروعات للإعمار والتنميه في جنوب السودان، وبدأ الالاف من ابناء جنوب السودان من مختلف قبائل الجنوب يفدون الي العاصمة القومية الخرطوم _ ولمعت أسماء ريادات قادة علي مسرح السياسة والعمل التنفيذي في البلاد فكان اللواء جوزيف لاقو احد ابرز قادة التمرد بكتائب انانياون نائبا لرئيس الجمهوريه واصبح الدو اجو دينق وزيرا للنقل والمواصلات وتم تعيين جيرفس ياك محافظا لمديرية الخرطوم العاصمه القومية وتم تعيين العديد من الكواد الجنوبية اعضاء بمجلس الشعب القومي ومجلس الشعب الاقليمي بجوبا منهم سريسيو إيرو، والبابا جيمس سرور ، وجوزيف جيميس طمبرة وغيرهم من الكوادر والقيادات الجنوبية الشابة.

كان من الانعكاسات المباشرة لتوقيع إتفاقية اديس ابابا للسلام في السودان هو تحسن العلاقات السودانية مع جميع دول الجوار النيلي الافريقي المحاددة للسودان وكذلك الدول الاوربية علي رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وتبادل السفراء بين الخرطوم وواشنطن وكذلك الدول الاسكندنافيه ، كما كان الدعم العربي للسودان حاضرا بادياً للعيان خاصه دولة الكويت والمملكة العربية السعودية ودولة الأمارات العربية المتحده ، واصبح المشير جعفر نميري نجماً في سماوات الدبلوماسية والعلاقات الدولية والاقليمية وذلك علي عكس ما كانت تعانيه العديد من بلدان افريقية كثيرة من حروبات وتفرقه عنصرية علي النحو الذي كانت عليه ماكان يطلق عليها جمهورية جنوب افريقيا العنصرية التي كانت معروفة بنظام ” الابارتيهد ” وكذلك حروبات تشاد الاهليه في ” تيزي اوزو” و”فيا لارجو ” والنيجر ، واوغندة والانقلابات المدعومة بقوات جيش الرب، وزمبابوي ومجاهدات والثوار جيشوانكومو والاب ديزموند توتو وطرائف قددا من الحروبات الاهلية الافريقيه

…هنا ركزت الولايات المتحدة الأمريكية وراهنت علي الدفع بعلاقاتها مع السودان الي ابعد مدي خلال فترة حكم المشير جعفر نميري وفتحت افاق رحبة وخطت خطوات واسعة علي الاصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية بدرجة مذهله حتي اصبح الجيش السوداني احد مكونات اخطر المناورات الأمريكية العسكرية بالشرق الاوسط وهي مناورات “النجم الساطع” Bright star. كما منحت ودعمت القوات المسلحة دعما مفتوحا كانت القوات المسلحة السودانيه تعتمد علي العديد من مكوناته الرئيسه حتي عصر الانقاذ الوطني
..فكيف خطت العلاقات السودانية الأمريكية هذه الخطوات الواسعة إبان حكم المشير جعفر نميري علي عهد الرئيس الأمريكي الديمقراطي جيمي كارتر وكذلك في عهد خلفه من بعده الرئيس الأمريكي الجمهوري رونالدريحان ، وسننظر كذلك الي الاهمية الكبري التي ميزت المشير/ جعفر نميري لدي البيت الأبيض الأمريكي لدرجة ان تتم دعوته لزيارة البيت الأبيض الأمريكي في اعقاب تقديمة لخطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في خرق واضح من الادارة الأمريكية للبرتكول الأمريكي الذي لايستقبل اي وفود رئاسية عقب الفراغ من الاجتماعات الدورية والمعتادة للجمعية العامة للأمم المتحدة وما دلالات ذلك كله ..انتظرونا إن شاء الله في الحلقة التانية من هذه السلسلة ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 + أربعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى