أخر الأخبار

عمار العركي يكتب: من القاهرة التاريخية إلى العاصمة الإدارية 1-2

عندما فكرت في أن أبدأ «المشهد المصري» بقراءة مصر من الداخل، كان السؤال الأول: من أين أبدأ؟ فمصر بلد كبير، ومشهدها السياسي والاقتصادي والاجتماعي أوسع من أن تختصره قضية واحدة. لكنني وجدت أن هناك مدخلاً يقود إلى كل المشاهد، وإلى أكثر من ملف في وقت واحد، وهو: العاصمة المصرية.

القاهرة ليست مجرد مدينة في التاريخ المصري، بل ارتبط اسمها بالدولة والحكم والإدارة والسياسة والاقتصاد والثقافة، منذ أن أسس جوهر الصقلي القاهرة بأمر المعز لدين الله الفاطمي. وعلى مدى أكثر من ألف عام، ظلت مركزاً رئيسياً للدولة والمجتمع والحياة المصرية، وأصبحت جزءاً من تعريف مصر نفسها.

اليوم نشهد تحولاً مهماً في هذا المشهد. فالقاهرة التاريخية ما زالت تحتفظ بثقلها السكاني والاقتصادي والثقافي، بينما نشأت إلى الشرق منها العاصمة الإدارية الجديدة، وانتقلت إليها مؤسسات حكومية رئيسية، لتصبح مركزاً جديداً لأعمال الحكومة والجهاز الإداري، إلى جانب مقار ومؤسسات ذات طبيعة استراتيجية.

لا يعني ذلك أن القاهرة فقدت دورها، ولا أن العاصمة الإدارية جاءت لتحل محلها، ولكننا أمام مركز حكومي جديد إلى جانب المركز التاريخي للدولة والمجتمع. وهذه في حد ذاتها خطوة كبيرة في طريقة إدارة الدولة المصرية وتوزيع مؤسساتها، ولا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد مشروع عمراني جديد.

العاصمة الإدارية جاءت ضمن توجه مصري أوسع لإنشاء مدن جديدة خارج مناطق التكدس التقليدية، بهدف تخفيف الضغط عن القاهرة والوادي والدلتا، وفتح مجالات جديدة للسكن والعمل والاستثمار. وهي بذلك جزء من محاولة أوسع لإعادة رسم الخريطة العمرانية والاقتصادية لمصر، وليس مجرد نقل لمبانٍ حكومية من مكان إلى آخر.

لكن الصورة لا تكتمل بالعمران وحده. فبحسب المركز المصري للدراسات الاقتصادية، ما زال نحو 95% من سكان مصر يتركزون في الوادي والدلتا، رغم إنشاء 49 مدينة جديدة بطاقة استيعابية مخططة تتجاوز 27 مليون نسمة. وتكتسب هذه النسبة أهميتها من ارتباطها بالهدف الأساسي لهذه المدن، وهو تخفيف التركز وإعادة توزيع السكان والأنشطة.

وهنا تظهر المسألة الأهم: نقل المؤسسات يمكن أن يتم بقرار إداري، أما انتقال السكان والأعمال والاستثمارات فيحتاج إلى عوامل أكثر تعقيداً. فالمدينة تصبح مركزاً حقيقياً عندما تتوافر فيها الوظائف والخدمات والحركة الاقتصادية، ويجد فيها الناس أسباباً كافية للسكن والعمل والاستقرار.

ومن هذه الزاوية، فإن ما يجري في مصر يستحق القراءة بعيداً عن المبالغة في الإشادة أو النقد. فهناك تحول عمراني وإداري كبير تحقق بالفعل، وهناك مؤسسات ووظائف انتقلت إلى مراكز جديدة، لكن اكتمال التحول سيظل مرتبطاً بمدى قدرة هذه المراكز على جذب السكان والاستثمارات وتكوين حياة اقتصادية واجتماعية مستقرة.

خلاصــة المشهــد:

مصر بدأت بالفعل في إعادة توزيع جانب من وظائف الدولة ونشاطها خارج القاهرة، وهو تحول يتجاوز فكرة إنشاء مدينة جديدة إلى إعادة ترتيب تدريجي للخريطة العمرانية والإدارية. لكن نقل مركز الثقل السكاني والاقتصادي يحتاج إلى وقت، وستحدد نتائجه قدرة المدن الجديدة على استقطاب السكان والوظائف والاستثمارات. لذلك، فإن العاصمة الإدارية تمثل بداية تحول مهم، أما اكتمال هذا التحول فسيتوقف على ما إذا كانت هذه المراكز ستنجح في صناعة حياة جديدة ومستقرة خارج المركز التقليدي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى