بقلم : مهندس / راشدة حسن دفع الله مضوي
لا ينبغي أن يُختزل التعافي في السودان في إعادة بناء المباني والمنشآت التي دمرتها الحرب. فآثار الحرب تجاوزت البنية التحتية لتطال سبل كسب العيش، والخدمات الأساسية، والأسر والمجتمعات، والثقة بين الناس، والموارد الطبيعية التي يعتمد عليها ملايين السودانيين.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا سنعيد بناءه؟ بل أيضاً: كيف سنعيد بناءه، ولمن، وبأي معايير، وكيف نضمن أن يكون أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات المستقبلية؟
إن التعافي المستدام ينبغي أن ينظر إلى الإنسان باعتباره محور العملية، وأن يجمع بين الاستجابة الإنسانية، واستعادة سبل العيش، وحماية البيئة، والتكيف مع تغير المناخ، وتعزيز السلام المجتمعي، وبناء المؤسسات والشراكات المحلية.
أولاً: من الاستجابة الإنسانية إلى التعافي والتنمية
الإغاثة الإنسانية ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، خصوصاً في المناطق التي تعاني من النزوح وفقدان الخدمات الأساسية. لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع مستقبلاً مستقراً.
المطلوب هو بناء مسار متدرج يبدأ بتلبية الاحتياجات العاجلة، ثم استعادة الخدمات الأساسية، ثم دعم التعافي الاقتصادي والاجتماعي، وصولاً إلى تنمية مستدامة تقودها المجتمعات المحلية.
ويتطلب ذلك استجابة عادلة تصل إلى المتضررين والنازحين والعائدين، وفق الاحتياج والأولوية، بعيداً عن التمييز الجغرافي أو السياسي أو الاجتماعي.
ثانياً: استعادة سبل العيش أساس التعافي
لا يمكن أن تستقر الأسر بمجرد عودتها إلى منازلها إذا لم تجد مصدراً مستداماً للدخل.
ولهذا ينبغي أن تكون استعادة سبل العيش في صميم برامج التعافي، من خلال:
– دعم الأسر الأكثر هشاشة، مع إيلاء اهتمام خاص للنساء والشباب.
– توسيع فرص التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
– التدريب المهني وبناء القدرات في الإدارة والتسويق والإنتاج.
– إعادة تأهيل الأنشطة الزراعية والرعوية وسلاسل القيمة المرتبطة بها.
– دعم المشاريع الإنتاجية المحلية وربطها بالأسواق.
– توفير فرص عمل مؤقتة خلال مرحلة إعادة التأهيل، مع الانتقال تدريجياً إلى فرص عمل مستدامة.
فالاقتصاد المحلي القادر على إنتاج الدخل والعمل ليس مجرد نتيجة للتعافي، بل هو أحد شروط استدامته.
ثالثاً: وضع المناخ والبيئة في قلب عملية الإعمار
لا يمكن بناء سودان أكثر استقراراً من خلال إعادة إنتاج أنماط التنمية التي تجاهلت المخاطر البيئية والمناخية.
فالجفاف، والفيضانات، وتدهور الأراضي، والتصحر، وشح المياه، وارتفاع درجات الحرارة، يمكن أن تزيد من هشاشة المجتمعات وتؤثر في الزراعة والرعي والصحة والأمن الغذائي.
لذلك يجب أن تُبنى مشاريع التعافي والإعمار على تقييم واضح للمخاطر الحالية والمستقبلية، وأن تشمل:
– التخطيط العمراني والبنية التحتية القادرة على تحمل المخاطر المناخية.
– تحسين إدارة المياه وحماية مصادرها.
– دعم الزراعة الذكية مناخياً وإدارة المراعي بصورة مستدامة.
– مكافحة تدهور الأراضي والتصحر واستعادة النظم البيئية المتدهورة.
– توسيع استخدام الطاقة المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية في المياه والزراعة والخدمات الأساسية.
– استخدام البيانات الجغرافية والمناخية في تحديد المناطق الأكثر احتياجاً والأكثر تعرضاً للمخاطر.
ومن المهم ألا تكون البيانات المناخية والجغرافية مجرد أدوات للبحث، بل جزءاً من عملية اتخاذ القرار وتوجيه الاستثمارات ومشاريع الإعمار.
رابعاً: السلام المجتمعي جزء من البنية التحتية للتعافي
لا يمكن أن ينجح الإعمار في بيئة يغيب فيها السلام المجتمعي.
فالأرض والمياه والمراعي والموارد الطبيعية تمثل أساساً لمعيشة قطاعات واسعة من المجتمع، وقد تصبح مصدراً للتنافس والنزاع عندما تضعف المؤسسات وآليات إدارة الموارد.
وفي المقابل، يمكن أن تتحول إدارة الموارد المشتركة إلى مساحة للتعاون وبناء الثقة بين المجتمعات، من خلال الحوار المحلي، والاتفاقات المجتمعية، والإدارة المشتركة للموارد، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.
ومن هنا فإن برامج التعافي ينبغي ألا تركز على المنشآت والخدمات فقط، بل أن تستثمر أيضاً في بناء الثقة، وتعزيز الوعي المدني، وتشجيع العمل التطوعي والمبادرات المحلية.
خامساً: القيادة المحلية والشراكات الفاعلة
حجم احتياجات السودان يتجاوز قدرة أي مؤسسة أو جهة واحدة.
ولذلك فإن التعافي يحتاج إلى شراكة متكاملة بين المجتمعات المحلية، والحكومات والمؤسسات الوطنية، والجامعات ومراكز البحث، والمنظمات الإنسانية والتنموية، والقطاع الخاص، والشركاء الدوليين.
لكن نجاح هذه الشراكات يتطلب أكثر من مجرد توفير التمويل؛ فهو يحتاج إلى:
– شفافية واضحة في إدارة الموارد والمشروعات.
– معايير معلنة لتحديد الأولويات والمناطق المستفيدة.
– مشاركة المجتمعات المحلية في تحديد احتياجاتها وتصميم الحلول.
– بناء القدرات المحلية بدلاً من إنشاء اعتماد طويل الأمد على الدعم الخارجي.
– رقابة ومتابعة وتقييم مستمر لنتائج المشاريع.
– الاستناد إلى البيانات والأدلة في تحديد الأولويات واتخاذ القرارات.
والأهم أن يكون المجتمع المحلي شريكاً في التعافي، لا مجرد مستفيد منه.
سادساً: من إعادة البناء إلى بناء القدرة على الصمود
ينبغي أن تكون مرحلة ما بعد الحرب فرصة لإعادة التفكير في شكل التنمية نفسها.
فبدلاً من إعادة بناء ما كان قائماً بالطريقة ذاتها، يمكن أن تكون عملية الإعمار مدخلاً لبناء بنية تحتية وخدمات واقتصاد محلي أكثر قدرة على مواجهة الصدمات المستقبلية.
وهذا يعني أن كل مشروع جديد ينبغي أن يطرح مجموعة من الأسئلة: هل هو آمن من المخاطر المناخية؟ هل يخدم السكان الأكثر احتياجاً؟ هل يوفر فرصاً اقتصادية؟ هل يحافظ على الموارد الطبيعية؟ وهل يمكن للمجتمع المحلي تشغيله وصيانته على المدى الطويل؟
بهذا المعنى، يصبح الإعمار أكثر من عملية مادية؛ يصبح استثماراً في قدرة المجتمع على الصمود.
خاتمة: الإنسان أولاً
التعافي في السودان ليس مشروعاً لإعادة المباني فقط، وإنما عملية لإعادة بناء الحياة نفسها.
ونجاح هذه العملية لا يُقاس بعدد الطرق والمباني والمنشآت التي أُعيد تشييدها فحسب، بل بقدرة الأسر على استعادة مصادر دخلها، وعودة الخدمات الأساسية، وتحسن إدارة الموارد، وتعزيز السلام المجتمعي، وقدرة المؤسسات والمجتمعات على مواجهة الأزمات المستقبلية.
إن السودان يحتاج إلى انتقال واضح من الإغاثة إلى التعافي، ومن التعافي إلى التنمية، ومن إعادة البناء إلى بناء القدرة على الصمود.
وعندما يلتقي الإنسان مع التنمية المستدامة، وتُدمج المخاطر المناخية والبيئية في التخطيط، وتُبنى الشراكات على الشفافية والمشاركة والحياد، يمكن أن تتحول مرحلة ما بعد الحرب من مجرد محاولة لإصلاح ما دمرته الحرب إلى فرصة لبناء مستقبل أكثر استقراراً وعدالة وقدرة على الصمود.
من رماد الحرب إلى أفق التعافي: السودان يعيد بناء مستقبله بالإنسان، والشراكة، والاستدامة.
