عندما نتحدث عن تكريم الدكتور مأمون علي فرح فإننا لا نتحدث عن تكريم شخص فحسب، بل نتحدث عن تكريم لمدرسة كاملة في الوطنية والصحافة الشريفة، مدرسة اختارت أن تكون في خندق الوطن عندما فرت كل المدارس الأخرى إلى خنادق العمالة والارتزاق، فأي وسام يكفي رجلاً كان قلمه بندقية وكلمته معركة ومقاله طلقة لا تخطئ قلب الباطل؟
إن السؤال الحقيقي ليس ما هو الوسام الذي نمنحه لمأمون، بل هل هناك وسام في بروتوكولات الدولة يليق بقامة كهذه، فالرجل لم يكن مجرد صحفي يكتب خبراً وينقل حدثاً، بل كان مقاتلاً بكل ما تحمل الكلمة من معنى، مقاتلاً ثبت في معركة الكرامة ثبات الجبال الشامخات بينما كان الكثير من أدعياء الصحافة أول الفارين عند أول طلقة، هربوا إلى المنافي الآمنة وفتحوا كاميراتهم من غرف الفنادق المكيفة ليطعنوا جيشهم وشعبهم في الظهر، أما مأمون فقد بقي هنا بيننا يكتب بمداد من نور ونار، يكتب والمدافع تدوي والخونة يتآمرون والمرجفون يروجون.
ولذلك فإن أول وسام يجب أن يمنح له هو *وسام الصمود والثبات الوطني من الدرجة الأولى* لأنه صمد عندما انهار الآخرون، ظل صامداً في وجه حملات التخوين والترهيب والترغيب، لم يساوم ولم يهادن ولم يبدل موقفه قيد أنملة، فهذا الثبات وحده يستحق أن تدرس سيرته للأجيال القادمة من الصحفيين ليعرفوا أن الصحافة موقف قبل أن تكون مهنة.
ويستحق ثانياً *وسام القلم المقاتل والكلمة الرصاصة* فمأمون لم يحمل بندقية حديدية لكنه حمل ما هو أخطر منها، حمل القلم الذي يصنع الوعي ويهزم الدعاية المضادة، فكم من أكذوبة روجت لها غرف المليشيا وداعموها في أبوظبي وغيرها فجاء قلمه فنسفها من أساسها، وكم من إشاعة أرادت كسر معنويات الشعب فجاء مقاله فحولها إلى وقود يزيد الشعب ثباتاً وإيماناً بجيشه، إن الكلمة الصادقة في زمن الحرب لا تقل عن الطلقة بل هي أشد فتكاً لأن الطلقة قد تقتل رجلاً واحداً أما الكلمة الصادقة فقد تحيي أمة كاملة.
ويستحق ثالثاً *وسام الوفاء للقوات المسلحة السودانية* وهو وسام لا يمنح إلا لمن كان وفياً لجيشه في أحلك الظروف، فمأمون كان وما زال السيف المدافع عن قواتنا المسلحة الباسلة، كتب عنها بحب ووفاء ودافع عنها بشراسة عندما حاول صحفيو العار نهشها والتشكيك فيها وتلفيق الأكاذيب لإدانتها، كان يعلم أن استهداف الجيش هو استهداف للسودان كله وأن كسر الجيش يعني كسر الوطن، فوقف حائط صد منيع ضد كل تلك الحملات المغرضة.
ويستحق رابعاً *وسام ضمير الشعب السوداني* لأنه كان لسان حال المواطن البسيط المغلوب على أمره، المواطن الذي نزح وفقد بيته وماله ولكنه لم يفقد كرامته، نقل مأمون معاناته بأمانة ودافع عن قضيته بصدق ولم يتاجر بدموعه وأحزانه كما فعل تجار الأزمات من صحفيي المنظمات والمنافي، كان قريباً من نبض الشارع يكتب بلسانه ويحس بآلامه.
إن كل هذه الأوسمة الرسمية مهما بلغت فخامتها ستظل قليلة في حق الدكتور مأمون علي فرح، لأن الوسام الحقيقي الذي ناله هو وسام لا يمنح في القصور بل يمنح في القلوب، هو وسام حب واحترام وتقدير كل جندي يرابط في الخندق وكل مواطن شريف يحب وطنه، هو وسام التاريخ الذي سيكتب بحروف من ذهب أن هناك صحفياً وطنياً اسمه مأمون علي فرح اختار أن يكون مع وطنه وجيشه وشعبه عندما اختار الآخرون أن يكونوا مع المليشيا وضد وطنهم، وسيظل اسمه محفوراً في سجل معركة الكرامة كرمز للشرف الصحفي والثبات الوطني، وذلك هو أكبر وأفخم وسام يمكن أن يناله رجل في زمن عز فيه الرجال.
meehad74@gmail.com
