
الخرطوم – سونا- لم تعد المعركة الاقتصادية في السودان تدور داخل الأسواق والمؤسسات المالية وحدها، بل امتدت إلى الفضاء الإعلامي، حيث تصاعد خلال الأيام الأخيرة تداول معلومات وتحليلات ومنشورات تتناول سعر الصرف والوقود والأسعار والمصارف والإمدادات، بعضها يستند إلى وقائع حقيقية، بينما يفتقر بعضها الآخر إلى مصادر موثوقة أو يخلط بين المؤشرات الاقتصادية الفعلية والتوقعات والشائعات.
وقد حذر خبراء اقتصاديون من أن الأزمة الحالية تتجاوز كونها مجرد اختلالات مالية تقليدية، لتتحول إلى “حرب اقتصادية” تدار بأدوات النقد والمضاربة، مما يضع صناع القرار أمام اختبار حقيقي وحاسم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.
الهلع النقدي وقفزة الدولار قراءة في الأسباب الجذرية :
يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير أن الطفرة السريعة وغير المبررة لسعر صرف الدولار خلال الأسبوع الأخير لم تأت من فراغ، بل هي نتاج حزمة من العوامل المركبة التي تضافرت لتعميق الأزمة، وتتلخص فيما يلي:
فقاعة مضاربات منظمة :
قادتها شبكات وتجار عملة استغلوا حالة الهشاشة الاقتصادية والسياسية الراهنة لتحقيق مكاسب غير مشروعة عبر تهييج السوق الموازية.
ضخ عملات غير رسمية:
تداول معلومات مؤكدة حول ضخ كميات ضخمة من النقد في مناطق سيطرة ميليشيا الدعم السريع، وهي عملات غير معترف بها رسمياً من قبل بنك السودان المركزي.
أزمة استيراد المحروقات:
وجود حالة من اللغط والتعقيد في ملف استيراد الوقود، تزامن مع إقدام بعض الشركات على شراء العملة الصعبة من السوق الموازية لتغطية التزاماتها، مما فجر طلباً مفاجئاً على الدولار.
الاختلالات الهيكلية القديمة:
أشار د. الناير إلى أن العوامل التقليدية مثل تراجع الصادرات، وزيادة الواردات، وتضخم الإنفاق الحكومي في الموازنة، ظلت قائمة ومستمرة منذ فترة، ورغم أنها لم تكن المسبب المباشر للقفزة الأخيرة، إلا أنها وفرت البيئة الخصبة لتفاقمها.
معركة الوقود المفتاح السحري لخفض تكلفة الإنتاج:
وفيما يتعلق بتخفيف الأعباء المعيشية الحارقة عن كاهل المواطن، يرى د. محمد الناير أن مفتاح الحل السريع يكمن في قطاع المحروقات عبر اتخاذ تدابير فورية:
تنويع مصادر الاستيراد:
ضرورة تسريع الدولة لخطوات استيراد الوقود، سواء عبر قنواتها الرسمية أو من خلال الشركات الخاصة التي تمتلك الملائمة المالية وقدمت ضمانات عينية معتبرة (مثل رهن 200 كيلوجرام من الذهب).
انعكاس الأسعار العالمية محلياً:
شدد الخبير آلاقتصادي على ضرورة أن ينعكس التراجع الملحوظ في أسعار المشتقات النفطية عالمياً على السوق المحلي وبشكل فوري، نظراً لأن سعر الجازولين في مواقع الإنتاج قد بلغ رقماً قياسياً غير مسبوق (وصل إلى 40 ألف جنيه)، وهو سعر مدمر للعملية الإنتاجية.
دعم القطاعات الإنتاجية:
إن الإسراع بتخفيض أسعار الوقود سيعود بآثار إيجابية فورية على قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية، والصناعات التحويلية، والخدمات؛ مما يسهم في خفض تكلفة الإنتاج والنقل ويسعف الموسم الزراعي الحالي في الوقت المناسب.
حلول المدى المتوسط والبعيد وسياسات بنك السودان:
حول تقييمه لإجراءات بنك السودان المركزي الأخيرة، أوضح د. الناير أنها أسهمت في إحداث تحسن نسبي وأعادت قدراً طفيفاً من التوازن المؤقت لسعر الصرف، إلا أنها تظل “حلولاً قصيرة المدى”.
ودعا إلى تبني استراتيجية مستدامة تستند إلى:
التركيز على الإنتاج والإنتاجية كطريق وحيد لخلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد القومي.
تعزيز الصادرات وسياسات إحلال الواردات:
لتقليل الفجوة في الميزان التجاري وتوفير النقد الأجنبي بصورة مستدامة.
حسم ملف المحروقات:
واستثمار هبوط الأسعار في الأسواق العالمية لصالح الاقتصاد المحلي.
:سيناريو العملة الجديدة درس التاريخ والاحتياط الواجب
وفي خطوة تحذيرية متقدمة، دعا الدكتور محمد الناير الدولة إلى الاستعداد المبكر لطباعة عملة جديدة كإجراء استباقي وعلاج ناجع لمواجهة التهديدات النقدية القادمة من مناطق النفوذ والسيطرة.
مستشهداً بتجربة انفصال جنوب السودان وكيف تصدت الخرطوم بحنكة لخطط ضرب الاقتصاد عبر طرح عملة جديدة بديلة في أوقات قياسية.
أكد د. الناير أن الاحتياط الواجب يفرض على الدولة امتلاك عملة جديدة جاهزة متى ما استدعت الضرورة.
ويهدف هذا الإجراء إلى إرغام المجموعات المسلحة في مناطق سيطرتها على التعامل بالعملة الرسمية وحدها، واعتبار أي إصدار آخر غير مبرئ للذمة وغير قانوني، لحماية الاقتصاد الوطني من عمليات ضخ السيولة غير المبررة.
بين شبكات الفساد وحملة “معاش الناس”:
تتكامل هذه الرؤية الاقتصادية مع حالة الغضب الشعبي والمجتمعي المتصاعدة جراء تآكل الأجور والانهيار المريع في القيمة الشرائية للجنيه، وهو ما دفع قوى سياسية ومجتمعية -مثل حزب الشعب السوداني- لإطلاق حملة (معاش الناس). تهدف هذه الحملة إلى مواجهة سياسات التجويع الممنهج، وتفكيك شبكات الرأسمالية الطفيلية، ومساءلة الفساد المؤسسي، وضمان التوزيع العادل للثروات، مؤكدة أن الأزمة الحالية ليست قدراً محتوماً، بل هي حصيلة لسياسات اقتصادية واستغلال ممنهج لمقدرات البلاد في زمن الحرب.
بطبيعة الحال يرى خبراء بان الحرب لها آثار وقد تضرب الإنتاج والإمدادات، وتراجع الإنتاج يضغط على الأسعار، واختلال سوق الصرف يرفع تكلفة الواردات، بينما يمكن للمعلومة المضللة أن تضيف إلى هذه الضغوط عبر التأثير في توقعات المتعاملين وسلوكهم.
ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور حمزة عثمان تبرز الحاجة في مواجهة التحديات والحملات الممنهجة إلى ضرورة ان يقوم الإعلام الاقتصادي السوداني المهني بالتعامل مع الأرقام بوصفها أداة للتحقق والتفسير، لا وسيلة للتهويل أو التطمين غير المستند إلى بيانات، الأمر الذي يضع المواطن أمام حقيقة الوضع الاقتصادي كما هو، مع تفكيك المعلومات المضللة وتصحيحها في الوقت المناسب.



