حين يفقد الاقتصاد بوصلته: السودان أمام أزمة دولة لا أزمة سوق

بقلم: د. أحمد عبدالله إسماعيل

لم يعد ما يجري في الاقتصاد السوداني مجرد اضطراب في سعر الصرف، ولا موجة عابرة من ارتفاع الأسعار يمكن احتواؤها بإجراءات نقدية مؤقتة؛ فالتدهور المتسارع في قيمة الجنيه، واتساع الفجوة بين الأسعار الرسمية والموازية، وتصاعد المضاربة، وتراجع القوة الشرائية، وانكماش الإنتاج، كلها مظاهر لأزمة أعمق تتجاوز حدود السوق لتطال قدرة الدولة ذاتها على إدارة مواردها، وضبط ماليتها العامة، وحماية عملتها الوطنية، وصون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لمواطنيها.

لقد دفعت الحرب الاقتصاد السوداني إلى واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخه الحديث، بعدما أصابت مراكز الإنتاج والتجارة والنقل والبنية التحتية، ووسعت نطاق النزوح والفقر، وأضعفت الإيرادات العامة، وأربكت النظام المصرفي، ودفعت قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي إلى خارج القنوات الرسمية. غير أن اختزال الأزمة في الحرب وحدها لا يقدم تفسيراً كاملاً لما يحدث؛ فالحرب قد تكون الشرارة الكبرى، لكنها لا تفسر وحدها سرعة الانحدار حين تتزامن مع ضعف المؤسسات، وتعدد مراكز القرار، واضطراب السياسة المالية والنقدية، واتساع الاقتصاد الموازي، وتراجع الشفافية والمساءلة.

إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس ارتفاع سعر الدولار في حد ذاته، وإنما تحول سعر الصرف إلى مرآة تعكس أزمة الثقة في الاقتصاد وفي قدرة المؤسسات على إدارة موارده. فعندما يفقد المواطن والتاجر والمستثمر الثقة في استقرار العملة، يصبح الجنيه وسيلة مؤقتة للتبادل لا مخزناً للقيمة، ويتجه الادخار نحو الدولار والذهب والسلع والعقارات. ومن هنا تنشأ دائرة اقتصادية شديدة الخطورة: تراجع قيمة العملة يولد توقعات بمزيد من التراجع، وهذه التوقعات تزيد الطلب على العملات الأجنبية، فيتراجع الجنيه أكثر، ثم تنتقل تكلفة ذلك كله إلى الغذاء والدواء والوقود والنقل والخدمات.

وفي هذه البيئة تزدهر المضاربة، لكنها لا تنشأ من فراغ. فالمضاربة تجد بيئتها الطبيعية في الأسواق التي تفتقر إلى الاستقرار والشفافية وتوحيد القواعد. ولذلك فإن تحميل المضاربين وحدهم مسؤولية انهيار العملة يختزل المشكلة في أحد أعراضها، بينما يتجاهل البيئة التي جعلت المضاربة نشاطاً مربحاً وقادراً على التأثير في السوق. مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون أمنية فقط، بل تتطلب إصلاحاً حقيقياً في سوق الصرف، وتوفير النقد الأجنبي عبر قنوات رسمية شفافة، وإعادة الثقة في الجهاز المصرفي، وإغلاق منافذ الاستفادة غير المشروعة من فروق الأسعار، وربط السياسة النقدية بسياسة مالية معلنة وقابلة للمساءلة.

وفي قلب هذه الأزمة تقف مسألة أكثر حساسية تتعلق بعلاقة الدولة بالاقتصاد. فالدولة الحديثة لا تُقاس قوتها بحجم تدخلها في الأسواق، وإنما بقدرتها على وضع القواعد العادلة، وحماية المنافسة، ومنع الاحتكار، وضمان تكافؤ الفرص، وحماية المال العام. وعندما تتحول الدولة أو المؤسسات المرتبطة بها إلى لاعب اقتصادي يزاحم القطاع الخاص، أو عندما يصبح الوصول إلى الموارد العامة والعقود والامتيازات مرتبطاً بالقرب من مراكز القرار، فإن السوق يفقد وظيفته الطبيعية، ويتحول الاقتصاد تدريجياً من مجال للإنتاج والمنافسة إلى مجال لتوزيع النفوذ والامتيازات.

وهنا يصبح الفساد الإداري والمالي أكثر من مجرد انحراف قانوني أو أخلاقي؛ إنه عامل مباشر في إضعاف الاقتصاد الوطني. فكل مورد عام لا يخضع للشفافية والمراجعة، وكل عقد لا يخضع للمنافسة العادلة، وكل إيراد لا يدخل الخزانة العامة وفق نظام واضح، وكل إنفاق لا يمكن تتبع مساره، يمثل خسارة مضاعفة لدولة تعاني أصلاً من ندرة الموارد. وفي اقتصاد مأزوم، لا تكون تكلفة الفساد هي الأموال المهدرة فقط، وإنما أيضاً الفرص الاقتصادية التي لم تُخلق، والمشروعات التي لم تُنفذ، والوظائف التي لم تُوفر، والخدمات التي لم تصل إلى مستحقيها.

وتزداد المشكلة تعقيداً مع تعدد مراكز القرار الاقتصادي والمالي والصرف، لأن الاقتصاد الحديث لا يمكن أن يعمل بمنطق تعدد الخزائن ومراكز السلطة المالية. الدولة التي لا تمتلك صورة موحدة لإيراداتها ونفقاتها والتزاماتها لا تستطيع بناء موازنة حقيقية، ولا إدارة الدين بكفاءة، ولا ضبط التضخم، ولا تحديد الأولويات بصورة عقلانية. وتعدد مراكز القرار لا يؤدي فقط إلى إضعاف التنسيق؛ بل يخلق بيئة يصعب فيها تحديد المسؤولية، وتصبح فيها الرقابة أكثر تعقيداً، وتضيع الحدود بين القرار العام والمصلحة الخاصة.

ومن أكثر الجوانب إثارة للقلق أن تستمر الموارد العامة في الاتجاه بعيداً عن الخدمات المدنية الأساسية في الوقت الذي يواجه فيه ملايين السودانيين أوضاعاً إنسانية واقتصادية بالغة القسوة. فالمال العام ينبغي أن يعكس أولويات المجتمع، وأن يوجه قبل كل شيء إلى حماية الإنسان وإعادة بناء الخدمات الأساسية ودعم الإنتاج وإعادة تشغيل المؤسسات المدنية. ولا يمكن تصور تعافٍ اقتصادي مستدام في بلد تتآكل فيه قدرة المواطن على الحصول على الغذاء والعلاج والتعليم والمياه والعمل، بينما تتسع في المقابل دائرة الإنفاق غير المنتج.

إن الأزمة السودانية، بهذا المعنى، ليست أزمة نقود فحسب؛ إنها أزمة في وظيفة الدولة الاقتصادية. والسؤال لم يعد كم يساوي الجنيه مقابل الدولار، وإنما ما الذي بقي من قدرة الاقتصاد الوطني على الإنتاج، وما الذي بقي من قدرة المؤسسات على إدارة الموارد، وما الذي بقي من ثقة المجتمع في النظام المالي، ومن يملك القرار بشأن المال العام، وتحت أي رقابة، ولأي غاية؟

والأكثر إلحاحاً أن السودان لا يملك ترف الانتظار حتى تنتهي الحرب ثم يبدأ الإصلاح الاقتصادي. فالانهيار الاقتصادي نفسه أصبح أحد محركات استمرار الأزمة، لأن تدهور العملة يرفع تكلفة الحياة، وارتفاع تكلفة الحياة يوسع الفقر، واتساع الفقر يضعف الإنتاج، وضعف الإنتاج يقلل الإيرادات، وانخفاض الإيرادات يزيد اعتماد الدولة على مصادر استثنائية وغير مستقرة للتمويل. وهكذا يتحول الاقتصاد من ضحية للحرب إلى أحد العوامل التي تطيل عمرها وتعمق آثارها الاجتماعية.

ومن هنا فإن المعالجة الحقيقية لا ينبغي أن تكون حزمة قرارات منفصلة، بل مشروعاً وطنياً لإعادة تأسيس الاقتصاد على قواعد جديدة: توحيد القرار المالي والنقدي، استعادة استقلال وفاعلية المؤسسات الرقابية، توحيد الإيرادات العامة، ضبط الإنفاق، إصلاح النظام المصرفي، معالجة تشوهات سوق الصرف، تنظيم تجارة الذهب، محاربة الاحتكار، حماية المنافسة، تمكين القطاع الخاص المنتج، إعادة بناء القطاعات الزراعية والصناعية، وإخضاع المال العام لمعايير صارمة من الشفافية والمراجعة والمساءلة.

وفي الوقت نفسه، فإن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن فصله عن الإصلاح القانوني والمؤسسي. فاقتصاد بلا سيادة قانون يتحول إلى اقتصاد امتيازات، وسوق بلا منافسة يتحول إلى احتكار، ومال عام بلا رقابة يتحول إلى مورد للفساد، ودولة بلا شفافية تفقد قدرتها على بناء الثقة حتى وإن امتلكت الموارد.

إن السودان يحتاج اليوم إلى الانتقال من عقلية إدارة الأزمة إلى عقلية إعادة بناء الدولة الاقتصادية؛ من اقتصاد يستهلك موارده في الصراع إلى اقتصاد يعيد إنتاج الحياة؛ ومن منظومة مالية تتعدد فيها مراكز القرار إلى منظومة مؤسسية موحدة يعرف فيها المواطن أين تأتي الأموال العامة، وأين تذهب، ومن يقرر بشأنها، ومن يحاسب على استخدامها.

فالعملة الوطنية في نهاية المطاف ليست مجرد أداة للدفع؛ إنها تعبير اقتصادي عن الثقة في الدولة، والثقة لا تُفرض بقرار إداري ولا تُستعاد بخطاب سياسي، وإنما تُبنى بالإنتاج والانضباط المالي والشفافية واستقلال المؤسسات وسيادة القانون.

وإذا كان السودان يريد أن يستعيد عافيته، فإن نقطة البداية ليست البحث عن سعر جديد للدولار، وإنما إعادة بناء الأسس التي تجعل للجنيه قيمة، وللمؤسسات مصداقية، وللمال العام حرمة، وللمواطن حقاً أصيلاً في أن يرى ثروات بلاده تتحول إلى خدمات وفرص وإنتاج ومستقبل.

إن المعركة الحقيقية ليست مع رقم يظهر كل صباح على شاشة سوق العملات؛ إنها مع منظومة كاملة أنتجت فقدان الثقة، وأضعفت الإنتاج، ووسعت الاقتصاد الموازي، وسمحت بتعدد مراكز القرار، وأضعفت الرقابة على المال العام. وما لم تُعالج هذه الجذور، فإن أي استقرار مؤقت في سعر الصرف سيظل قابلاً للانتكاس.

السودان لا يحتاج إلى اقتصاد جديد فحسب، بل يحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمال والمواطن؛ علاقة يكون فيها المال العام أمانة، والاقتصاد مجالاً للإنتاج والمنافسة، والمؤسسات خاضعة للقانون، والسياسة المالية وسيلة لحماية المجتمع لا عبئاً إضافياً عليه.

Exit mobile version