يا ليتني كنت هناك لأناول البرهان المنديل حين بكى الشهداء

الحاكم نيوز :

كلام سياسة :الصافي سالم

قرأت بتمعن مقال الزميل الأستاذ الهندي عز الدين البرهان لقاء المكاشفة الكبير، وتوقفت طويلاً أمام تفاصيل ذلك اللقاء الذي جمع رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بالإعلاميين والصحفيين في رحاب القيادة العامة.

وقلت في نفسي بحسرة صادقة: يا ليتني كنت معكم.فقد حالت ظروف السفر دون حضوري ذلك اللقاء الذي كنت أتمنى أن أكون واحداً من شهوده، ليس فقط للاستماع إلى حديث القائد عن أسرار الحرب والسياسة ومستقبل السودان، وإنما لأشهد تلك اللحظة الإنسانية النادرة التي غلبت فيها دموع الرجل صلابة القائد.يا ليتني كنت هناك لأناول البرهان المنديل حين استعصت عليه الكلمات وخرجت دموع الحزن والفخر وهو يستعيد ذكرى رفاقه وشهداء القوات المسلحة الذين مضوا وتركوا خلفهم وطناً يقاتل من أجل البقاء.تلك لم تكن دموع ضعف.. بل دموع فارس يتذكر فرسانه.دموع رجل يعرف أسماء الرجال الذين ثبتوا عندما اهتز كل شيء، ويعرف قيمة أولئك الذين اختاروا أن يقدموا أرواحهم حتى تبقى راية السودان مرفوعة.سعادة الرئيس البرهان..ربما جفت دموعك بعد لحظات، لكن دماء الشهداء لن تجف في ذاكرة هذا الوطن.

هؤلاء الرجال يستحقون أكثر من كلمات الرثاء، وأكثر من لحظات التصفيق، وأكثر من مراسم عابرة تنتهي بانتهاء المناسبة.

إنهم يستحقون أن يسكنوا ذاكرة السودان إلى الأبد.ولذلك أكتب إليك اليوم مقترحاً من القلب: اجعلوا أسماء شهداء معركة الكرامة حاضرة في شوارع الخرطوم وساحاتها وميادينها، وفي عواصم الولايات والمدن والقرى.سمّوا الشوارع بأسمائهم.

سمّوا المدارس والقاعات والميادين والجسور بأسماء من رحلوا.أقيموا نصباً تذكارياً وطنياً يخلد أسماءهم، حتى يعرف أطفال السودان بعد عشرات السنين أن لهذه الأرض رجالاً دفعوا أغلى ما يملكون دفاعاً عنها.وليكن هناك سجل قومي لشهداء الوطن، يوثق سيرتهم ومواقفهم وتضحياتهم، ويحفظ للأجيال قصة رجال لم ينتظروا شكراً ولا منصباً ولا مقابلاً.

فالشهيد لا يحتاج منا إلى صورة على جدار بقدر ما نحتاج نحن إلى صورته كي نتذكر الثمن الذي دُفع من أجل بقاء الوطن.

ونحتاج إلى أسمائهم كي لا تتحول الحرب بعد سنوات إلى مجرد تواريخ وأرقام في الكتب.

لقد روت دماؤهم أرض السودان، ومن حق الأجيال المقبلة أن تعرف من دفع ثمن بقائها على هذه الأرض.وإذا كان لقاء المكاشفة قد كشف الكثير من أسرار السياسة والحرب، فإن دموع البرهان كشفت شيئاً أكبر: أن خلف رتبة القائد وقسوته التي تفرضها المعارك قلباً يحمل أسماء الذين رحلوا وذكرياتهم.أما حديثه عن الاقتصاد، والحوار السوداني السوداني، والانتقال المدني والانتخابات، واستمرار العمليات في كردفان ودارفور، فهو حديث يفتح ملفات كبيرة تستحق النقاش، لكنني أضم صوتي إلى صوت الزميل الهندي عز الدين في نقطة شديدة الأهمية:معاش الناس يجب أن يكون في مقدمة الأولويات.

فالمواطن الذي صمد في الحرب يحتاج اليوم إلى الماء والكهرباء والدواء والتعليم والعمل والأمن، ويحتاج إلى دولة تعيد إليه شيئاً من الحياة التي فقدها.

وسعادة الرئيس..كردفان تنتظر، ودارفور تنتظر، والنازحون ينتظرون العودة إلى بيوتهم، وكل السودان ينتظر اليوم الذي تتوقف فيه أصوات البنادق ويبدأ صوت البناء والإعمار.لكن قبل أن نطوي صفحات هذه الحرب، علينا ألا نطوي أسماء الذين كتبوا صفحاتها بدمائهم.

اكتبوا أسماء الشهداء على شوارع الوطن قبل أن يكتبها النسيان على صفحات التاريخ.

ويا زميلي الهندي عز الدين..

أحسنت وأنت نقلت إلينا تفاصيل اللقاء حتى شعرنا وكأننا بينكم داخل القيادة العامة.لكنني ما زلت أقولها بحسرة:يا ليتني كنت معكم..ويا ليتني كنت قريباً من قائد الجيش في تلك اللحظة، فقط لأناوله المنديل وأقول له: دع الدموع تنزل يا سعادة الرئيس. فالفارس أيضاً يبكي رفاقه.رحم الله شهداء السودان، وحفظ بلادنا وأهلها، وجعل تضحيات أبنائها جسراً تعبر عليه إلى السلام والاستقرار والإعمار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة − 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى