
ترحب منظمة مشاد بكل الجهود الجادة والمبادرات المعلنة الرامية إلى وقف الحرب في السودان وإنهاء معاناة شعبه، وتؤكد أن الوصول إلى سلام مستدام يمثل أولوية وطنية وإنسانية لا تحتمل المزيد من التأخير. وترى المنظمة أن المرحلة الراهنة تقتضي دعم المسارات التي تفتح الطريق أمام حوار سوداني جاد ومسؤول، قادر على وقف القتال ومعالجة جذور الأزمة والانتقال بالسودان من واقع الحرب إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والسلام وبناء الدولة.
وتؤكد منظمة مشاد أن نجاح أي مسار للسلام لا يقاس بمجرد جمع الأطراف حول طاولة التفاوض، وإنما بقدرته على إنتاج تسوية وطنية قابلة للاستمرار، تستجيب لتطلعات الشعب السوداني وتحفظ حقه الأصيل في تقرير مستقبله. ومن ثم، ينبغي أن يكون الحوار واسعاً وشاملاً، وأن يتيح مشاركة حقيقية للقوى السياسية والمدنية والمجتمعية، والنساء والشباب، والنازحين واللاجئين والضحايا والمجتمعات المتضررة، دون إقصاء أو احتكار، ودون فرض نتائج مسبقة على العملية السياسية.
وترى المنظمة أن السلام لا ينبغي أن يتحول إلى صفقة لتقاسم السلطة أو النفوذ بين الأطراف ، ولا إلى وسيلة لإعادة إنتاج الأزمة في ترتيبات سياسية جديدة. فالمرحلة المقبلة ينبغي أن تؤسس لبيئة سياسية يكون فيها الوصول إلى السلطة عبر الوسائل السلمية والدستورية، وتكون فيها الدولة ومؤسساتها إطاراً جامعاً للسودانيين، وتُدار الخلافات السياسية من خلال الحوار والقانون والمؤسسات، لا من خلال القوة المسلحة.
وفي هذا السياق، ترفض منظمة مشاد أي تسوية تجعل من المشاركة في الحرب، أو المساهمة في إشعالها أو تمويلها أو تسليحها أو إطالة أمدها، طريقاً لاكتساب مكانة سياسية أو شرعية أو دور في إدارة مستقبل السودان. كما ترفض أن تتحول المشاركة في النزاع المسلح إلى مدخل للنفوذ السياسي أو إلى وسيلة للحصول على موقع في مؤسسات الدولة. ولا ينبغي أن يكون حمل السلاح أو المشاركة في الحرب مؤهلاً لصناعة المستقبل السياسي للبلاد؛ فالمشروعية السياسية ينبغي أن تستند إلى الإرادة الشعبية والوسائل الدستورية والسلمية، لا إلى موازين القوة التي أفرزتها الحرب.
كما ترفض المنظمة أي ترتيبات سلام تُبقي على الميليشيات أو التشكيلات المسلحة خارج مؤسسات الدولة، أو تكرّس تعدد مراكز القوة العسكرية والأمنية، باعتبار أن استمرار هذه البنى يمثل تهديداً بنيوياً لاستدامة السلام وإمكانية بناء دولة مستقرة. وترى أن التسوية المستدامة ينبغي أن تفضي، ضمن إطار دستوري وقانوني، إلى منظومة وطنية موحدة للمؤسسات العسكرية والأمنية، مهنية ومحايدة، خاضعة للسلطة المدنية المختصة، وتعمل حصراً في إطار القانون وحماية الدولة والمواطنين.
وتؤكد منظمة مشاد في الوقت ذاته أن السلام لا يمكن أن يقوم على تجاوز حقوق الشعب السوداني أو إغفال آثار الحرب. ولذلك ينبغي أن تتصدر حماية المدنيين وإنصاف الضحايا ورد الحقوق وجبر الضرر والتعويضات، إلى جانب إعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية، أولويات أي عملية سلام جادة. كما يجب أن تهيأ الظروف للعودة الآمنة والطوعية والكريمة والمستدامة للنازحين واللاجئين، مع ضمان حقوقهم وممتلكاتهم وعدم ترك المجتمعات المتضررة تواجه وحدها تبعات الحرب.
وتؤكد المنظمة أن العدالة والمساءلة ليستا عائقاً أمام السلام، بل من مقومات استدامته. وعليه، فإن الانتهاكات والجرائم الجسيمة التي ارتكبت خلال الحرب ينبغي أن تُعالج من خلال آليات قانونية مستقلة ونزيهة، تكفل حقوق الضحايا وتراعي الأصول القانونية الواجبة، وتضمن المساءلة وفقاً للقانون، دون انتقائية أو توظيف سياسي، ودون أن تتحول التسويات السياسية إلى وسيلة لتعطيل العدالة أو إهدار حقوق المتضررين.
وفي تقدير منظمة مشاد، فإن الدور الإقليمي والدولي يمكن أن يكون عاملاً مهماً في تيسير السلام ودعم حماية المدنيين والاستجابة الإنسانية وإعادة الإعمار، شريطة أن يظل موجهاً نحو تمكين السودانيين من الوصول إلى تسوية وطنية مستدامة، وأن يحترم خصوصية المسار السوداني وقراره الوطني، وألا يتحول الدعم الخارجي إلى بديل عن الإرادة السودانية أو إلى وسيلة لفرض ترتيبات لا تحظى بقبول وطني واسع.
وتؤكد منظمة مشاد أن موقفها من جهود السلام ليس اصطفافاً مع طرف ضد آخر، ولا رفضاً لمبدأ الحوار أو التسوية السياسية، وإنما هو موقف قائم على معايير واضحة: إنهاء الحرب بصورة مستدامة، حماية المدنيين، معالجة جذور النزاع، إنصاف الضحايا، صون وحدة الدولة، إنهاء دور السلاح في صناعة السلطة، وضمان انتقال السودان إلى نظام سياسي مدني ديمقراطي يستند إلى الإرادة الشعبية وسيادة القانون.
وعليه، تدعو منظمة مشاد جميع الأطراف والقوى السودانية إلى التعامل مع جهود السلام بروح وطنية مسؤولة، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الآنية، وإعطاء الأولوية لإنهاء الحرب وبناء الثقة وتهيئة الظروف أمام تسوية وطنية شاملة. فالسودان لا يحتاج إلى اتفاق يوقف الحرب مؤقتاً ثم يعيد إنتاج أسبابها، وإنما إلى سلام يطوي صفحة النزاع ويفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد، يكون فيها الشعب صاحب القرار، والدولة إطاراً جامعاً، والقانون مرجعيةً للجميع، والسلام أساساً لبناء دولة مدنية ديمقراطية مستقرة.



