آمنة ميرغني المرأة الحديدية التي أمسكت بدفة البنك المركزي في زمن العاصفة

الحاكم نيوز :

آمنة ميرغني المرأة الحديدية التي أمسكت بدفة البنك المركزي في زمن العاصفة

كلام سياسةالصافي سالم

ليس من العدل أن نقرأ تجربة الأستاذة آمنة ميرغني حسن التوم، محافظ بنك السودان المركزي، من نافذة الراتب وحدها، ونغلق بقية النوافذ التي تطل على حربٍ أنهكت الدولة، واقتصادٍ تعرض لهزات غير مسبوقة، ومؤسساتٍ فقدت مقارها ومواردها، وبلدٍ يخوض واحدة من أعقد مراحل تاريخه الحديث.آمنة ميرغني لم تتسلم بنك السودان في زمن الرخاء، ولم تدخل مكتباً هادئاً في دولة مستقرة، ولم تجد أمامها احتياطيات تتدفق وموارد مستقرة وأسواقاً تعمل بصورة طبيعية.

لقد تم تكليفها في زمن العاصفة.تسلمت المسؤولية بينما السودان يعيش تداعيات الحرب، والإنتاج والصادرات وحركة التجارة والنظام المصرفي تواجه تحديات قاسية، والجنيه تحت ضغط هائل، والدولة نفسها مطالبة بتمويل التزاماتها والمحافظة في الوقت ذاته على ما تبقى من توازن اقتصادي ونقدي.وهنا يجب أن يكون السؤال مختلفاً:

من الذي يقبل أصلاً أن يحمل هذه المسؤولية في مثل هذا التوقيت؟

إن منصب محافظ البنك المركزي ليس مقعداً للوجاهة، وإنما أحد أكثر مقاعد الدولة سخونة وخطورة. فكل قرار يصدر منه يمس المصارف وسوق النقد والعملات الأجنبية وتمويل التجارة والاحتياطيات والسيولة، وينعكس بصورة أو بأخرى على حياة المواطنين.ومن هنا فإن محاسبة آمنة ميرغني واجبة، مثلها مثل أي مسؤول عام، ولكن المحاسبة الحقيقية تكون بالقرارات والنتائج والسياسات والأرقام، لا بتحويل راتبها إلى قضية تختصر تجربتها كلها.

الراتب ليس هو القضية

لقد تحول الحديث في الأيام الماضية إلى أرقام المخصصات والراتب، وكأن المشكلة الاقتصادية السودانية بدأت يوم جلست آمنة ميرغني على كرسي المحافظ، وكأن انهيار البنية الاقتصادية بفعل الحرب، وتراجع الإنتاج، وتعطل المصانع، واضطراب الصادرات، وتراجع الإيرادات، واتساع السوق الموازي؛ كلها ملفات يمكن محوها من المشهد ووضع المسؤولية على راتب شخص واحد.هذه ليست الطريقة التي تُناقش بها اقتصادات الدول.

إذا كانت هناك مخالفة قانونية في راتب المحافظ أو مخصصاتها، فلتُعرض المستندات، ولتحدد الجهة التي ارتكبت المخالفة، وليطبق القانون دون مجاملة.

أما إذا كانت المخصصات قد حُددت بواسطة الجهات المختصة وفق الأطر المنظمة لشروط خدمة قيادة البنك المركزي، فإن القضية تنتقل من الحديث عن شخص آمنة ميرغني إلى مناقشة سياسة الدولة في أجور أصحاب المناصب الفنية والسيادية عالية التخصص.وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً: هل نريد كفاءات مصرفية عالية ثم نطلب منها أن تعمل وفق مقاييس لا علاقة لها بسوق العمل المصرفي الذي تستطيع هذه الكفاءات أن تجد فيه فرصاً داخل السودان وخارجه؟امرأة تركت الراحة واختارت أصعب المواقعمن الإنصاف كذلك ألا تُقدَّم آمنة ميرغني للرأي العام باعتبارها شخصاً ظهر فجأة في بنك السودان.نحن أمام مصرفية صاحبة تجربة مهنية وخبرة في القطاع المصرفي، عملت داخل بنك السودان وخارجه، ثم عادت لتتحمل مسؤولية البنك المركزي في واحدة من أصعب الفترات التي عرفها الاقتصاد السوداني.كان يمكن أن تبقى بعيداً عن هذه النيران.وكان يمكن أن تختار وظيفة مصرفية أكثر استقراراً وأقل تكلفة من الناحية المهنية والشخصية.لكنها قبلت التكليف.وهنا تحديداً أطلق عليها وصف المرأة الحديدية؛ ليس لأن المسؤول لا يخطئ، ولا لأننا نريد صناعة حصانة إعلامية حولها، وإنما لأن الوقوف في هذا الموقع في زمن الحرب يحتاج إلى قدر كبير من الصلابة وتحمل الضغوط.

لا تحملوا آمنة فاتورة الحرب هناك حقيقة لا ينبغي أن تضيع وسط ضجيج النقاش: محافظ البنك المركزي لا تصنع الاقتصاد وحدها.

سعر العملة ليس قراراً إدارياً بسيطاً يخرج من مكتب المحافظ، وإنما نتيجة شبكة واسعة من العوامل: الإنتاج والصادرات والواردات والاحتياطيات والإيرادات العامة والإنفاق الحكومي وتدفقات النقد الأجنبي وحركة السوق، وفوق ذلك كله الظروف الأمنية والسياسية.وفي اقتصاد الحرب تصبح المعادلة أكثر تعقيداً.لذلك فإن تحميل آمنة ميرغني وحدها مسؤولية كل تراجع في قيمة الجنيه ليس نقداً اقتصادياً مكتملاً، تماماً كما أن الدفاع عنها لا يعني القول إن كل قرارات البنك المركزي كانت مثالية.

نعم، يجب أن نسألها.

يجب أن نناقش سياساتها.ويجب أن نعرف ماذا فعل البنك المركزي لمواجهة السوق الموازي، وكيف يدير النقد الأجنبي، وما رؤيته لاستقرار العملة، وكيف يتعامل مع الجهاز المصرفي، وما خطته لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار.هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تُطرح.أما أن تختصر كل هذه الملفات في رقم الراتب، فذلك يحول النقاش من تقييم مؤسسة وسياسات إلى محاكمة شخص.آمنة ليست فوق النقد.. ولكنها ليست شماعةنحن لا نكتب شهادة براءة مفتوحة لمحافظ بنك السودان، فالمسؤول العام يجب أن يبقى تحت رقابة الصحافة والشعب ومؤسسات الدولة.

لكن العدالة تقتضي أيضاً ألا يتحول المسؤول إلى شماعة نعلق عليها كل أزمات الاقتصاد السوداني المتراكمة، خاصة عندما يتولى المسؤولية في بلد يعيش حرباً ذات تكلفة اقتصادية هائلة.آمنة ميرغني ليست فوق النقد، لكنها أيضاً ليست مسؤولة وحدها عن حرب أحرقت موارد الدولة، ولا عن كل الاختلالات التي تراكمت قبل وصولها إلى قيادة البنك المركزي.ومن يريد تقييم تجربتها فليفتح ملفاتها المهنية، وليضع قراراتها على الطاولة، وليأت بالأرقام ويقارن النتائج بالأهداف والظروف التي اتخذت فيها القرارات.عندها سيكون النقد أكثر قوة وإنصافاً وفائدة للسودان.

المرأة الحديدية أمام امتحان التاريخ

قد نختلف مع آمنة في قرار اليوم، وقد نؤيدها في قرار الغد، لكن ما ينبغي ألا نختلف حوله هو أن المرأة قبلت الجلوس على أحد أخطر المقاعد الاقتصادية في الدولة في توقيت كان كثيرون يفضلون فيه مراقبة المشهد من بعيد.

إنها لا تحتاج إلى التصفيق بقدر ما تحتاج إلى بيئة عمل تمكن البنك المركزي من القيام بواجبه، ورقابة مهنية تصحح الأخطاء، ونقد اقتصادي يحاكم القرارات بالنتائج.والمرحلة المقبلة أصعب.فالسودان لن يحتاج فقط إلى إدارة اقتصاد الحرب، وإنما إلى إدارة اقتصاد ما بعد الحرب: إعادة الإعمار، واستعادة الجهاز المصرفي، وجذب التحويلات والاستثمارات، وتنشيط الصادرات، وإعادة الثقة في العملة الوطنية وربط القطاع المصرفي السوداني بمحيطه الإقليمي والدولي.

وهنا سيكون الامتحان الحقيقي لآمنة ميرغني وفريقها.

فدعوا راتب آمنة جانباً للحظة، وافتحوا دفتر البنك المركزي.

اسألوا عن السياسة النقدية، واسألوا عن القرارات، واسألوا عن النجاحات والإخفاقات، وحاسبوا بالأرقام، فمن حق الشعب أن يعرف.

أما تحويل امرأة تحمل على كتفيها مسؤولية مؤسسة نقدية مركزية في بلد يخوض حرباً إلى عنوان للغضب بسبب راتبها وحده، فلن يخفض سعر الدولار جنيهاً واحداً، ولن يعيد مصنعاً توقف، ولن يزيد صادرات البلاد دولاراً واحداً.

آمنة ميرغني.. المرأة الحديدية، نحن لا ندافع عنك لأن المسؤول لا يخطئ، بل ندافع عن حقك في أن تُحاسبي بعدل؛ على ما صنعت يداك، لا على كل ما صنعته الحرب بالسودان.

وإن كان هناك خطأ فليُكشف، وإن كان هناك نجاح فليُذكر، فالعدل في زمن الأزمات ليس مجاملة لأحد، بل واجب تجاه الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى