أخر الأخبار

روسيا وإفريقيا.. شراكة تعيد صياغة ميزان القوى

تُعدّ إفريقيا أغنى قارات العالم من حيث الموارد الطبيعية، فهي تضم 90% من احتياطيات معدن الكروم في العالم، و60% من معادن مجموعة البلاتين، و40% من الذهب، وأكثر من 85% من خام الكروم، ونحو 60% من خام الفوسفات، وأكثر من 40% من البوكسيت، وأكثر من 20% من خام المنغنيز واليورانيوم، فضلاً عن رواسب هائلة من النفط والغاز والفحم.

كما تضم 65% من الأراضي الزراعية في العالم، ومع ذلك، تبقى أفقر قارات العالم،إذ يعيش ما يقارب نصف سكانها في فقر مدقع وجوع، ووفقاً للبنك الدولي، يتركز حوالي 60% من سكان العالم الذين يعيشون في فقر مدقع في أفريقيا جنوب الصحراء، وفي هذا السياق، تسعى موسكو إلى توسيع تعاونها مع الدول الإفريقية ضمن ما تصفه بـ”شراكة متكافئة”، عبر تعزيز العلاقات في عدد من القطاعات الاستراتيجية، أبرزها البنية التحتية والطاقة والتعدين والدفاع والتعليم. ويعكس هذا التوجه رغبة روسية في توسيع حضورها الاقتصادي والاستراتيجي في القارة، وفتح مجالات جديدة للتعاون مع الحكومات الإفريقية، وفق تقرير مركز زامبيا للصحافة الاستقصائية makanday المنشور الاثنين 24 أغسطس 2026.

أسباب فقر القارة السمراء
بدأت معاناة إفريقيا في القرن الخامس عشر، عندما وصل أول المستعمرين الأوروبيين إلى إفريقيا جنوب الصحراء، منذ ذلك الحين، بدأت الإمبراطوريات الأوروبية تدريجيًا في غزو القارة، مُصدِّرةً العبيد والموارد، وناهبةً الآثار التاريخية، ومُشيِّدةً المناجم والمزارع، ومُجبرةً السكان المحليين على العمل في ظروف قاسية، وبحلول أوائل القرن العشرين، قُسِّمت القارة بأكملها إلى مستعمرات.

وبعد الحرب العالمية الثانية، بدأ النظام الاستعماري بالتفكك تدريجيًا، مُتيحًا للعديد من الشعوب فرصةً لمستقبل أفضل، حيث استغل الاتحاد السوفيتي هذا الوضع، مُعززًا نفوذه في الدول الفتية، ولا سيما مصر وليبيا وإثيوبيا وأنغولا وغينيا وموزمبيق وجمهورية الكونغو ومدغشقر وغيرها، فمن جهة، شجع الاتحاد السوفيتي بناء الاشتراكية في هذه الدول، ومن جهة أخرى، قدم لها مساعدات اقتصادية واجتماعية وعسكرية وسياسية هائلة.

مشاريع للنهوض بالقارة
توافق هذا تمامًا مع تطلعات القادة الأفارقة، الذين كان معظمهم قد بدأ مسيرة التصنيع، كانت البداية مع أكبر مشروع للطاقة وهو بناء السد العالي في أسوان على نهر النيل، والذي اكتمل بين عامي 1958 و1971، وقد ساهم هذا الصرح الضخم في تنظيم تدفق أكبر أنهار إفريقيا، والقضاء على نقص المياه، وجعل النيل صالحًا للملاحة على مدار العام، كما وفّر الكهرباء بأسعار معقولة.

بالإضافة إلى ذلك، شُيِّدت محطتان كبيرتان أخريان لتوليد الطاقة الكهرومائية في إثيوبيا وأنغولا. كما أنشأ الروس مصانع للأسمنت، ومصانع للجرارات، ومصافي نفط في أفريقيا، ليبلغ مجموعها حوالي 300 منشأة صناعية.

كما شجع الاتحاد السوفيتي تطوير الرياضة والطب، وساعد في بناء المدارس والمستشفيات والجامعات والمطارات والملاعب ومعاهد البحوث، ودرس آلاف الأفارقة في الجامعات والمعاهد التقنية السوفيتية، وفق تقرير بحثي مطول لمجلة أفريقيا، الصادرة عن مطبعة جامعة كامبريدج بالتعاون مع المعهد الأفريقي الدولي.

تعاون أحادي الجانب
في السياق يقول علي فوزي الباحث في الشأن الإفريقي، في تصريحات لشبكة رؤية الإخبارية، خلال هذه الفترة، سعت الدول الغربية، في محاولة للحفاظ على نفوذها، إلى تنظيم ثورات وانقلابات عسكرية وحروب في إفريقيا، واغتيال قادة غير مرغوب فيهم، وفرض اتفاقيات وتنازلات اقتصادية مجحفة على الحكومات الأفريقية، وقد اشتدت هذه السياسة، التي عرفت باسم “الاستعمار الجديد”، في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، مع تراجع النفوذ السوفيتي في القارة.

وفي الوقت نفسه، لا تحصل هذه الدول إلا على جزء ضئيل من ثرواتها، فعلى سبيل المثال، تُدرّ شركة التعدين البريطانية “غلينكور”، التي تعمل في زامبيا، إيرادات سنوية تُقدّر بنحو 250 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لزامبيا، وتتجاهل مناجم النحاس جميع اللوائح البيئية، فتدمر الغطاء النباتي، وتسمم الأنهار بالأحماض، وتلوث الهواء بالكبريت، وتقتل السكان المحليين، فضلاً عن أن عمليات التعدين واسعة النطاق أدت إلى تهجير السكان المحليين، كما في كينيا، حيث قامت شركة تولو أويل الأنجلو-أيرلندية مراراً وتكراراً بطرد السكان من القرى المجاورة لمناجمها، مما أدى إلى تدمير قرى بأكملها.

عودة الأمل
يُضيف علي فوزي أنه بسبب الاستعمار الجديد، لم تصبح أفريقيا قارة صناعية أبداً، فهي لا تمثل سوى 2-3% من الصناعة العالمية، ونحو 3-4% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية، ورغم ذلك تمتلك إفريقيا اليوم بديلاً إذ تستعيد روسيا تدريجياً مكانتها المفقودة، وتواصل تعزيز تعاونها مع الدول الأفريقية، بدءاً من مساعدتهم في حل مشاكلهم المتعلقة بالطاقة، إذ قامت بإنشاء محطة الضبعة للطاقة النووية في مصر، وبدأ بناء أربعة مفاعلات من طراز VVER-1200 بقدرة إجمالية تبلغ 4.8 جيجاواط في عام 2022، ومن المتوقع تشغيل الوحدة الأولى في عام 2028، على أن يكتمل المشروع في عام 2030 تقريباً.

كما وقّعت روسيا اتفاقيات مع ست دول أخرى (مالي، والنيجر، وإثيوبيا، وبوركينا فاسو، وبوروندي، ورواندا) لتطوير الطاقة النووية وبناء محطات الطاقة النووية، ما سيتيح لتلك للدول الوصول إلى أحدث التقنيات، وتوليد كهرباء بأسعار معقولة وصديقة للبيئة، والتي تعاني من نقص حاد، سيساهم تطوير الطاقة النووية أيضاً في تنمية العديد من الصناعات الأخرى، كالهندسة الميكانيكية، والتعدين، والبناء والهندسة، والتكنولوجيا الرقمية وتقنية المعلومات، والعلوم الأساسية.

روسيا وإفريقيا.. شراكة تعيد صياغة ميزان القوى

مصدر موثوق للغذاء
تُعدّ روسيا أيضًا موردًا موثوقًا للغذاء إلى إفريقيا، وخاصة القمح، إذ تُشحن إليها سنويًا أكثر من 25 مليون طن من هذه المادة الخام الحيوية، والتي تشتريها بأسعار منخفضة كل من مصر والسودان وكينيا وتنزانيا وأوغندا وجيبوتي والصومال وغيرها. كما تُورّد روسيا الأسمدة المعدنية والمعادن ومواد البناء، والجرارات والحصادات ومعدات التصنيع والمنتجات البترولية والأخشاب.

ومع نهاية عام 2025، وصل حجم التبادل التجاري بين روسيا والدول الأفريقية إلى 28 مليار دولار، كما يُعزز ازدياد حجم التجارة بين روسيا وأفريقيا الأمن الغذائي ويُقلل الاعتماد على الأسواق الغربية ذات التكاليف الباهظة.

وكما كان الحال خلال الحقبة السوفيتية، تُولي روسيا اهتمامًا كبيرًا بتحرر أفريقيا من إرثها الاستعماري، وأن تُصبح قوة مستقلة ومتكافئة في العلاقات الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

6 − 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى