
اليوم تواجه القوى السياسية المنضوية تحت تحالف صمود أزمة حقيقية تتعلق بالشرعية السياسية، وبقدرتها على تقديم مشروع وطني مستقل يلبي تطلعات السودانيين. فالسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من أين تستمد هذه القوى حقها في الحديث باسم الشعب، وهي لم تحتكم إليه عبر انتخابات حرة ونزيهة؟
إن الديمقراطية التي يُرفع شعارها لا يمكن أن تتحول إلى وسيلة للوصول إلى السلطة دون تفويض شعبي، ولا يمكن أن يكون مستقبل السودان رهينة تفاهمات تُصنع خارج حدوده أو إرادات دولية وإقليمية تتجاوز حق السودانيين في تقرير مصيرهم بأنفسهم.
وتتزايد الانتقادات الموجهة إلى تحالف صمود بسبب ما يراه خصومه تقاربًا مع مواقف بعض القوى الدولية والإقليمية، خصوصًا في ظل استمرار الجدل حول الدور الخارجي في الحرب السودانية. وقد دعت منظمات حقوقية دولية إلى التحقيق في مزاعم دعم خارجي لقوات المليشيا، وهي قضية تتطلب موقفًا وطنيًا واضحًا ومستقلًا من جميع القوى السياسية.
وإن أخطر ما تواجهه النخبة السياسية السودانية ليس اختلاف الرؤى، بل فقدان القدرة على اتخاذ موقف وطني واضح تجاه الانتهاكات التي طالت الشعب السوداني. فالمدنية الحقيقية لا تعني الصمت عن الجرائم، والديمقراطية لا تعني انتقائية الإدانة، والسلام لا يمكن أن يُبنى على تجاوز حقوق الضحايا أو تجاهل معاناتهم.
كما أن تحالف صمود نفسه يعلن أن هدفه الوصول إلى حكم مدني ديمقراطي، وأن العملية السياسية ينبغي أن يقرر خلالها السودانيون مستقبل بلادهم، وفقًا لبياناته المعلنة. لكن التحدي الحقيقي أمام جميع القوى السياسية يبقى في تحويل هذه الشعارات إلى مشروع عملي يحظى بثقة الشعب، ويقوم على الاستقلال الوطني والاحتكام إلى الإرادة الشعبية.
لقد أثبتت الحرب أن السودان في حاجة إلى مشروع وطني جديد، لا يستمد شرعيته من الخارج ولا من فوهة البندقية، وإنما من الشعب وحده. فلا سلطة بلا تفويض، ولا ديمقراطية بلا انتخابات، ولا وطن قوي دون استقلال قراره السياسي.
ويبقى الشعب السوداني هو صاحب الكلمة الأخيرة، وهو وحده من يملك الحق في اختيار من يحكمه، وفي تحديد مستقبل وطنه بعيدًا عن الوصاية والتدخلات والمصالح الأجنبية.



