يكشف هذا التقرير الاستقصائي عن حجم الدمار غير المسبوق الذي لحق بقطاع التعليم في السودان نتيجة الحرب التي شنتها قوات الدعم السريع، والتي طالت الجامعات والكليات والمدارس وسائر المؤسسات التعليمية في مختلف أنحاء البلاد. ويستند التقرير إلى عمليات رصد وتوثيق ميداني مكثفة أجراها مرصد مشاد، والتي خلصت إلى أن قوات الدعم السريع انتهجت، وفقًا لما وثقه المرصد، سياسة ممنهجة ومقصودة لاستهداف المؤسسات التعليمية باستخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة، إلى جانب أعمال التخريب والنهب المنظم التي طالت المرافق التعليمية ومحتوياتها، مما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية للتعليم وحرمان ملايين الأطفال والشباب من أحد أهم حقوقهم الأساسية، وهو الحق في التعليم.
وتشير نتائج الرصد والتوثيق الميداني إلى أن الاستهداف لم يكن محدودًا أو عرضيًا، وإنما اتسم بالتكرار والاتساع والانتظام، بما يعكس، وفقًا لما توصل إليه مرصد مشاد، نمطًا متواصلًا من الاعتداء على المؤسسات التعليمية باعتبارها من الأعيان المدنية المحمية بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، وهو ما ترتبت عليه آثار إنسانية وتنموية بعيدة المدى، لا تقتصر على الجيل الحالي، وإنما تمتد إلى مستقبل السودان واستقراره.
ووفقًا لنتائج التوثيق الميداني، وثق مرصد مشاد تدمير 298 جامعة وكلية، و4,017 مدرسة، و2,011 مختبرًا علميًا، و344 مكتبة، و3,161 قاعة دراسية، و7,199 مكتبًا إداريًا وأكاديميًا. كما وثق عمليات نهب واسعة النطاق استهدفت الأجهزة العلمية، والمختبرات، والمكتبات، والوسائل التعليمية، والأثاث، والأرشيف الأكاديمي، وممتلكات المؤسسات التعليمية، الأمر الذي ألحق خسائر جسيمة بقطاع التعليم، وقوض قدرته على أداء رسالته في بناء الإنسان وتأهيل الكفاءات الوطنية.
ويرى مرصد مشاد أن ما وثقه ميدانيًا يكشف عن استهداف يتجاوز الأضرار العسكرية المباشرة ليطال مقومات الدولة المدنية ومؤسساتها التعليمية، بما يشكل تهديدًا بالغ الخطورة للحق في التعليم، ويؤدي إلى تقويض فرص التنمية المستدامة، وإعادة الإعمار، وترسيخ السلام، ويضاعف من مخاطر الفقر والأمية والتسرب الدراسي والاستغلال، ويحرم ملايين الأطفال والشباب من مستقبلهم العلمي والمهني.
إن تدمير المدارس والجامعات لا يمثل اعتداءً على منشآت مدنية فحسب، بل يمثل اعتداءً على ذاكرة الوطن، وعلى قدرته على إنتاج المعرفة، وعلى حق الأجيال القادمة في التنمية والكرامة الإنسانية. فكل مؤسسة تعليمية تُدمر تعني فقدان مساحة جديدة للعلم، وكل مكتبة تُنهب تعني فقدان جزء من الإرث الفكري والثقافي، وكل مختبر يُدمر يمثل خسارة لقدرات السودان العلمية والبحثية لعقود قادمة.
ويدعو مرصد مشاد المجتمع الدولي إلى اتخاذ تدابير عاجلة وفعالة لوقف جميع أشكال الدعم العسكري أو المالي أو التقني أو اللوجستي الذي يسهم في استمرار هذه الانتهاكات، بما في ذلك وقف تزويد قوات الدعم السريع بالطائرات المسيّرة والتقنيات العسكرية المستخدمة في استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع استمرار هذه الهجمات بما يتوافق مع الالتزامات القانونية الدولية للدول.
كما يدعو مرصد مشاد الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والشركاء الدوليين، والمؤسسات المالية والجهات المانحة، إلى إطلاق برنامج دولي شامل لإعادة إعمار قطاع التعليم في السودان، يتضمن إعادة بناء المدارس والجامعات والكليات والمختبرات والمكتبات، وتعويض المؤسسات التعليمية المتضررة، وتوفير الدعم اللازم لاستئناف العملية التعليمية، وضمان عودة الطلاب والمعلمين إلى بيئة تعليمية آمنة تحفظ كرامتهم وتصون حقهم في التعليم.
ويطالب مرصد مشاد بإنشاء آلية دولية مستقلة للتحقيق في الانتهاكات التي استهدفت قطاع التعليم، وضمان مساءلة جميع المسؤولين عنها وفقًا للقانون الدولي، وإنصاف الضحايا، وعدم الإفلات من العقاب، باعتبار أن حماية المؤسسات التعليمية ليست التزامًا قانونيًا فحسب، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية تقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره.
ويؤكد مرصد مشاد أن إعادة بناء السودان تبدأ بإعادة بناء الإنسان، ولا يمكن تحقيق ذلك دون حماية التعليم وإعادة تأهيل مؤسساته. وإن استمرار استهداف المدارس والجامعات يمثل تهديدًا مباشرًا للسلم والأمن والاستقرار، ويقوض فرص التعافي الوطني. ومن ثم، فإن إنقاذ قطاع التعليم وإعادة إعماره، وضمان عدم تكرار هذه الانتهاكات، يجب أن يكون في صدارة أولويات المجتمع الدولي، بوصفه استثمارًا في السلام والعدالة والتنمية، وفي مستقبل السودان والأجيال القادمة.
