أخر الأخبار

دكتور عبد الناصر سلم يكتب: شمال كردفان.. إعادة تشكيل مسرح العمليات

ليست كل المعارك التي تُخاض في الحروب قادرة على تغيير مسارها، فهناك معارك تنتهي بانتهاء القتال، وأخرى تترك أثرًا يتجاوز حدود الميدان لتعيد رسم المشهد العسكري بأكمله. وما شهدته ولاية شمال كردفان خلال الأيام الأخيرة يبدو أقرب إلى النوع الثاني، ليس فقط بسبب ما أُعلن عن استعادة عدد من المدن، وإنما لأن تلك التطورات تحمل دلالات تتعلق بطبيعة الصراع واتجاهه في المرحلة المقبلة.

وبحسب ما أعلنه الجيش السوداني، فقد استعادت قواته السيطرة على أم سيالة، ورهيد النوبة، وأم قرفة، وجبرة الشيخ، قبل أن تعلن دخول مدينة بارا، وهي من أبرز مدن الولاية وأكثرها أهمية من الناحية العسكرية. ورغم أن تفاصيل المعارك في السودان كثيرًا ما يصعب التحقق منها بصورة مستقلة في ظل ظروف الحرب، فإن المؤكد أن شمال كردفان أصبح يشهد تغيرًا ميدانيًا يستحق التوقف عنده، لأن تأثيره لا يقتصر على حدود الولاية، بل يمتد إلى مجمل مسرح العمليات في إقليم كردفان.

وتكتسب شمال كردفان هذه الأهمية من موقعها قبل أي شيء آخر. فهي تمثل حلقة الوصل بين وسط السودان وغربه، وتتشابك فيها الطرق التي تربط مدينة الأبيض بمناطق واسعة في كردفان ودارفور. ولهذا السبب ظلت الولاية هدفًا رئيسيًا للطرفين منذ اندلاع الحرب؛ فالسيطرة على هذه المحاور تعني امتلاك قدرة أكبر على تحريك القوات وتأمين الإمدادات والمحافظة على الاتصال بين الوحدات المنتشرة في جبهات مختلفة.

وتظل مدينة الأبيض محور هذه المعادلة كلها. فهي ليست العاصمة الإدارية للولاية فحسب، بل تمثل أيضًا مركزًا عسكريًا ولوجستيًا بالغ الأهمية، ومن خلالها تُدار حركة القوات والإمداد في جزء كبير من الإقليم. ولذلك، فإن أي عمليات تدور في محيطها لا يمكن النظر إليها باعتبارها معارك منفصلة، وإنما باعتبارها جزءًا من جهد أوسع يهدف إلى تأمين المدينة وإبعاد التهديد عنها.

ومن هذا المنظور، تبدو العمليات الأخيرة مترابطة أكثر مما توحي به الأخبار اليومية. فالانتقال من أم سيالة إلى رهيد النوبة، ثم أم قرفة، فجبرة الشيخ، وصولًا إلى بارا، يعكس مسارًا يسعى إلى إحكام السيطرة على محاور الحركة، وليس مجرد استعادة مواقع متفرقة. وفي التخطيط العسكري، غالبًا ما تكون السيطرة على الطرق والعقد الأرضية أكثر أهمية من السيطرة على مساحات واسعة لا تمنح أفضلية عملياتية حقيقية.

أما بارا، فتحتل موقعًا مختلفًا في هذه الصورة. فهي تقع على أحد أهم المحاور المؤدية إلى الأبيض، ولذلك فإن استقرار السيطرة عليها – إذا استمر – يمنح الجيش قدرة أكبر على تأمين خطوط الاتصال، ويزيد من مساحة المناورة، ويخلق عمقًا دفاعيًا أفضل حول المدينة. كما يمكن أن يجعلها نقطة انطلاق لأي عمليات لاحقة، بدلًا من أن تكون مجرد هدف انتهت أهميته بمجرد السيطرة عليه.

وما يلفت الانتباه أيضًا هو طبيعة الأداء العسكري خلال هذه المرحلة. فالمعطيات المتاحة توحي بأن الجيش يحاول الانتقال من رد الفعل إلى فرض إيقاع العمليات. وفي الفكر العسكري، تُعد المبادأة من أهم عناصر النجاح، لأنها تمنح القائد فرصة اختيار توقيت التحرك واتجاهه، بينما يجد الطرف الآخر نفسه مضطرًا إلى التعامل مع تطورات لم يكن هو من فرضها.

لكن قيمة هذه المكاسب لن تُقاس بعدد المدن التي أُعلن عن استعادتها، وإنما بقدرة القوات على تثبيت مواقعها، وتأمين خطوط الإمداد، وتحويل التقدم الميداني إلى واقع عملياتي مستقر. فكثير من الحروب شهدت انتصارات تكتيكية فقدت أثرها سريعًا لأنها لم تُستثمر ضمن خطة أوسع، في حين أن مكاسب أقل حجمًا تحولت إلى نقاط تحول حقيقية لأنها بُنيت على رؤية واضحة لما بعدها.

لذلك، فإن قراءة ما يجري في شمال كردفان لا ينبغي أن تتوقف عند متابعة خريطة السيطرة يومًا بعد يوم، بل عند فهم ما إذا كانت هذه التحركات تمثل بداية مرحلة جديدة في إدارة الحرب. فهذا هو السؤال الذي ستجيب عنه التطورات المقبلة، وهو أيضًا المعيار الحقيقي لقياس أهمية ما يحدث اليوم في هذا المسرح الحيوي من السودان.

لكن إذا كانت السيطرة على المدن تمثل الصورة الظاهرة للعمليات العسكرية، فإن ما يجري خلف هذه الصورة هو الذي يحدد قيمتها الحقيقية. فالحروب لا تتغير لأن مدينة انتقلت من طرف إلى آخر، وإنما لأن هذا الانتقال يفرض واقعًا جديدًا على الأرض، ويمنح أحد الأطراف قدرة أكبر على إدارة المعركة. ومن هنا، تبدو التطورات الأخيرة في شمال كردفان أكبر من مجرد أخبار عن تقدم ميداني، لأنها تعكس محاولة لإعادة ترتيب واحد من أهم مسارح القتال في السودان.

وعند النظر إلى تسلسل العمليات التي أعلن عنها الجيش السوداني، من أم سيالة إلى رهيد النوبة وأم قرفة وجبرة الشيخ وصولًا إلى بارا، يصعب التعامل مع كل منطقة باعتبارها معركة مستقلة. فهذه المواقع ترتبط فيما بينها بشبكة من الطرق والمحاور التي تتحكم في حركة القوات والإمداد، ولذلك فإن السيطرة عليها تكتسب معناها الحقيقي عندما تُقرأ ضمن سياق عملياتي واحد، لا كإنجازات منفصلة.

وتبرز بارا بوصفها الحلقة الأهم في هذا المشهد. فالمدينة ليست مجرد مركز سكاني كبير في شمال كردفان، بل تقع على محور بري مهم ظل يمثل أحد مفاتيح الوصول إلى الأبيض والتحرك شمالًا وغربًا. وإذا استقرت السيطرة عليها، فإنها تمنح القوات مساحة أوسع للمناورة، وتوفر عمقًا أفضل لحماية الأبيض، كما تقلل من احتمالات اقتراب التهديدات من مركز القيادة والإسناد في الولاية.

أما جبرة الشيخ، فتكتسب أهميتها من موقعها الذي يربط بين أكثر من اتجاه داخل الإقليم، وهو ما يجعلها عقدة حركة قبل أن تكون مدينة بالمعنى الإداري. وينطبق الأمر نفسه على أم سيالة ورهيد النوبة وأم قرفة، إذ إن قيمتها العسكرية لا ترتبط بحجمها، وإنما بالدور الذي تؤديه في تأمين المحاور وإحكام السيطرة على شبكة الحركة. وفي التخطيط العسكري، كثيرًا ما يكون التحكم في الطرق والعقد الأرضية أكثر تأثيرًا من السيطرة على مساحات واسعة لا تمنح ميزة عملياتية حقيقية.

ولهذا السبب، فإن تقييم هذه العمليات لا ينبغي أن يقتصر على متابعة خريطة السيطرة، بل يجب أن يشمل قدرتها على إعادة تنظيم مسرح العمليات. فالجيش الذي ينجح في ربط مواقعه بخطوط اتصال آمنة، وتأمين حركة قواته بين المحاور المختلفة، يمتلك فرصة أكبر للمحافظة على المبادأة مقارنة بجيش يسيطر على مواقع متفرقة يصعب دعمها أو الدفاع عنها.

ويظل عامل الإمداد أحد أكثر العناصر تأثيرًا في هذه المرحلة. فالتاريخ العسكري يبين أن كثيرًا من الحملات تعثرت بعد نجاحها الأول، ليس بسبب قوة الخصم، وإنما بسبب عجز القوات عن المحافظة على زخم العمليات. ولهذا فإن تأمين الطرق لا يقل أهمية عن السيطرة على المدن، لأن الطريق هو الذي يحمل الذخيرة والوقود والمؤن والتعزيزات، ومن دونه يصبح أي تقدم معرضًا للتراجع مهما بدا كبيرًا في بدايته.

ومن زاوية أوسع، فإن استقرار الوضع في شمال كردفان لا ينعكس على الولاية وحدها، بل يؤثر في العلاقة بين وسط السودان وغربه. فكلما أصبحت الحركة أكثر أمنًا على هذه المحاور، ازدادت قدرة القيادة العسكرية على إعادة توزيع قواتها واحتياطياتها وفق متطلبات الميدان، بدلًا من استنزافها في حماية طرق الإمداد أو معالجة الثغرات التي قد تظهر في أكثر من اتجاه.

لكن النجاح في التقدم لا يعني بالضرورة النجاح في الحملة كلها. فالمرحلة الأصعب تبدأ عادة بعد انتهاء الاشتباكات المباشرة، عندما يصبح المطلوب تثبيت المواقع، وتأمين المناطق المستعادة، وإعادة تنظيم القوات، ومنع أي محاولة لتغيير الواقع الجديد. وهذه المرحلة هي التي تحدد ما إذا كان التقدم الميداني سيصبح مكسبًا دائمًا، أم أنه سيبقى مجرد نجاح محدود فرضته ظروف المعركة.

ومن هنا، فإن الحكم على نتائج العمليات الأخيرة يظل مرتبطًا بما ستشهده المرحلة المقبلة. فإذا تمكن الجيش السوداني من تثبيت المناطق التي أعلن السيطرة عليها، والحفاظ على خطوط الاتصال والإمداد، واستثمار المبادأة التي حققها، فقد يتحول هذا التقدم إلى أفضلية عملياتية تؤثر في مسار الحملة العسكرية على نطاق أوسع. أما إذا واجهت القوات صعوبات في الاحتفاظ بهذه المواقع أو في تأمينها، فإن المكاسب الحالية قد تظل محصورة في إطار الإنجاز التكتيكي، دون أن تُحدث تحولًا دائمًا في ميزان العمليات.

وفي النهاية، لا تُقاس أهمية ما حدث في شمال كردفان بعدد المدن التي تغيرت السيطرة عليها، وإنما بقدرته على إعادة ترتيب المشهد العسكري في واحد من أكثر أقاليم السودان حساسية. وإذا كانت المعارك تمنح الجيوش فرصة للتقدم، فإن حسن استثمار نتائجها هو الذي يصنع الفارق بين انتصار مؤقت وتحول حقيقي في مسار الحرب. ولهذا، فإن الأسابيع المقبلة ستكون كفيلة بإظهار ما إذا كانت العمليات الأخيرة تمثل بداية مرحلة جديدة في الحملة العسكرية، أم أنها ستبقى محطة مهمة ضمن صراع لا يزال مفتوحًا على جميع الاحتمالات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − اثنا عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى