مامون علي فرح يكتب : انتباه…!!

بعد أكثر من 14 عاماً على وضع حجر الأساس، تحول سد النهضة الإثيوبي على النيل الأزرق إلى أمر واقع يفرض تهديداً مباشراً على الأمن المائي والاقتصادي لدول المصب. بسعة تخزينية تصل إلى 74 مليار متر مكعب، يمثل السد تحدياً وجودياً لمصر والسودان اللذين يعتمدان على النيل كمصدر وحيد للحياة.

النيل الأزرق يشكل 85% من الإيراد المائي الذي يصل إلى السودان ومصر. وبالتالي فإن أي عملية ملء للسد تعني اقتطاع كميات ضخمة من المياه كانت تصل بشكل طبيعي. في السودان ينعكس هذا مباشرة على تشغيل خزانات الروصيرص وسنار، حيث يؤدي انخفاض المناسيب إلى تراجع حاد في التوليد الكهربائي وتقليص مساحات الري الانسيابي التي يعتمد عليها مشروع الجزيرة والمناطق الزراعية المحيطة. وفي مصر، فإن أي نقص في الحصة السنوية البالغة 55.5 مليار متر مكعب يهدد بتبوير مليون فدان، ويرفع منسوب الملوحة في دلتا النيل بسبب غياب مياه الغسيل.

الخطر لا يقتصر على الملء. نظام التشغيل المعتمد على “التوليد الذروي” سيخلق حالة من الفوضى المائية داخل السودان. إطلاق كميات كبيرة من المياه في ساعات محددة ثم قطعها فجأة سيؤدي إلى تذبذب عنيف في منسوب النهر، يهدد استقرار الجسور والجزر النيلية، ويشل عمل محطات مياه الشرب المصممة على تدفق ثابت، ويعطل الملاحة النهرية التي تعتمد عليها مناطق واسعة.

المخاطر الفنية والبيئية أكثر إيلاماً. السد يقع في منطقة نشطة زلزالياً، ويحذر خبراء السدود من احتمالات الانهيار الجزئي أو الكلي بسبب ضغط المياه أو فيضان استثنائي. في مثل هذا السيناريو ستصل إلى السودان خلال 6 إلى 8 ساعات موجة بارتفاع عشرات الأمتار، لتغمر مدن الروصيرص والدمازين وسنار وأجزاء كبيرة من الخرطوم، في ظل غياب نظام إنذار مبكر فعال قادر على إنقاذ الأرواح.

إضافة إلى ذلك سيحبس السد خلفه 86% من الطمي الذي كان يصل مع فيضان النيل الأزرق. هذا الطمي كان يمثل السماد الطبيعي للأراضي الزراعية في السودان ومصر لآلاف السنين. حبسه يعني إفقار التربة وزيادة الاعتماد على الأسمدة الكيميائية المكلفة، وتسريع امتلاء خزانات السودان بالطمي وتقليل عمرها الافتراضي. كما أن البحيرة الضخمة ستفقد في الأجواء الحارة ما يقارب 3 مليار متر مكعب سنوياً بالتبخر، وهي خسارة إضافية تخرج من الحصة المائية للدول المستفيدة.

التداعيات الاقتصادية كارثية. 70% من اقتصاد السودان قائم على الزراعة المروية، وأي خلل في انتظام المياه يضرب الأمن الغذائي مباشرة. السودان سيخسر نحو 300 ميقاوات من الكهرباء المولدة من خزاناته. ومصر ستواجه عجزاً يتراوح بين 25 و 40 مليار كيلووات سنوياً في توليد السد العالي. مناخ الاستثمار أيضاً سيتأثر، فلا مستثمر سيغامر بمشاريع زراعية كبرى في ظل غياب ضمانات مائية واضحة.

على المستوى السياسي والأمني، يمنح السد إثيوبيا ورقة ضغط استراتيجية يمكن استخدامها في أي لحظة عبر التحكم في بوابات الإطلاق. هذا ما يعرف بـ “سلاح المياه”. وقرب السد من منطقة الفشقة الحدودية يجعل أي توتر أمني مرتبطاً تلقائياً بملف المياه. كما أن سوء الإدارة أو الجفاف الحاد قد يدفع بموجات نزوح داخلي وخارجي تزيد من أعباء الدول المتأثرة وتخلق أزمات إنسانية جديدة.

ختاماً، مخاطر سد النهضة لم تعد احتمالات. هي حقائق مائية وفنية واقتصادية تفرض نفسها اليوم. المسألة لم تعد تتعلق بمشروع تنموي لدولة واحدة، بل بمستقبل نهر يغذي حياة أكثر من 150 مليون إنسان. وفي غياب اتفاق قانوني ملزم ينظم الملء والتشغيل ويضمن حداً أدنى من الإطلاقات في سنوات الجفاف، يبقى التهديد قائماً ويزداد مع كل يوم تأخير.

Exit mobile version