أخر الأخبار

مامون علي فرح يكتب : مسارات الأزمة النقابية في المواني استقرار ام محاولات للوقيعة؟!

_______

في لحظات الاحتقان، يصبح من السهل تحويل أي خلاف إداري إلى مطلب شخصي. لكن المؤسسات الكبرى لا تُدار بردود الفعل، ولا تُقاس حكمة القيادة بمدى رضا الجميع عن كل قرار. المقياس الحقيقي هو: هل تحافظ الإدارة على استمرار المرفق؟ وهل التزمت بالقانون؟ وهنا تحديداً تقف هيئة الموانئ البحرية.

هيئة الموانئ ليست مجرد مبنى إداري ولا نقابة. هي شريان الاقتصاد القومي. عبرها تمر 90% من حركة التجارة الخارجية للسودان. أي اهتزاز فيها لا يضرب موظفاً أو نقابياً، بل يضرب سعر الدواء والوقود والخبز في بيت المواطن. لذلك الحديث عن إيقاف حركة الميناء كورقة ضغط، هو حديث خطير لا يخدم العاملين بقدر ما يهدد معاش الناس.

نعم، هناك خلاف حول التمثيل النقابي. وهذا طبيعي في أي مؤسسة فيها 13 ألف عامل. لكن السؤال: هل الخلاف سببه الإدارة؟ أم سببه غياب ثقافة الحوار داخل الجسم النقابي نفسه؟ تحميل المدير العام المهندس جيلاني محمد جيلاني مسؤولية الانقسام النقابي، هو تحميل له ما لا يحتمل.

المهندس جيلاني لم يعيّن أعضاء النقابة، ولم يصدر قراراً بتشكيل المكتب التنفيذي. القانون واضح: النقابات جسم مستقل. دور الإدارة ينتهي عند توفير مناخ آمن للانتخابات والطعون. وحين تقدمت مجموعة بطعون للجهات المختصة، التزمت الإدارة الصمت احتراماً للقانون، لا تواطؤاً. فهل المطلوب من المدير العام أن ينحاز لطرف ضد آخر حتى نرضى عنه؟

ما يحدث الآن هو خلط متعمد بين أزمتين: أزمة نقابية داخلية، وأزمة إدارة. من الظلم أن نُسقط فشل طرف في إقناع القواعد على رأس الإدارة. بل العكس، إدارة الهيئة خلال الفترة الماضية نجحت في تسيير العمل رغم الحرب، وحافظت على تشغيل الموانئ، واستقبلت البواخر، ودفعت مرتبات العاملين في وقت انهارت فيه مؤسسات كثيرة.

المطالبة بإقالة المدير العام في هذا التوقيت بالذات، تطرح سؤالاً مشروعاً: هل الهدف إصلاح النقابة؟ أم إفراغ الهيئة من قيادتها في لحظة حساسة؟ التغيير الإداري في مرفق سيادي لا يتم بالضغط والتصعيد، بل يتم عبر تقييم أداء مؤسسي. ومن يملك ملفات فساد أو تقصير فليقدمها للجهات العدلية، لا أن يجعل من الشارع ساحة للحسم.

الحياد الذي يطالب به البعض هو نفسه الذي تمارسه الإدارة الآن. أن تقف على مسافة واحدة من الجميع ليس ضعفاً، بل هو قمة المسؤولية. أما الانحياز لأي مجموعة فهو الذي سيفجر الهيئة من الداخل.

خلاصة القول: مشكلة الموانئ اليوم ليست في شخص المدير العام. المشكلة في أننا نريد حلولاً سريعة لمشاكل متراكمة. الحل ليس في إقالة، الحل في الجلوس، وفي احترام القانون، وفي أن تترك الجهات المختصة تقول كلمتها في الطعون المقدمة.

فالموانئ البحرية أكبر من الأشخاص، نعم. ولكنها أيضاً أكبر من أن تُدار بالشعارات والتصعيد. استقرارها مسؤولية وطنية، ومسؤولية وطنية تعني أن نحمي مؤسساتنا لا أن نكسرها عند أول خلاف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر + 17 =

زر الذهاب إلى الأعلى