أخر الأخبار

دكتورة شذي الشريف تكتب : بين ضلوع الوطن العزيز

– مدير مركز الشريف للدراسات
والإعلام والتدريب
“بين ضلوع الوطن العزيز… غير هواك ما عندي غاية.”
لم تكن تلك الكلمات التي صدح بها في احتفال استئناف بث هيئة إذاعة وتلفزيون ولاية البحر الأحمر مجرد أغنية، بل كانت عنواناً لحكاية وطن بأكمله. وطن أنهكته الحرب، لكنه لم يفقد نبضه، ولم تنكسر إرادته.
عندما امتدت يد الغدر من أوباش مليشيا الدعم السريع لتعبث بأمن السودان، وتستهدف الإنسان والدولة ومؤسساتها، لم تغلق بورتسودان أبوابها، بل فتحت ضلوعها قبل أبوابها. استقبلت مؤسسات الدولة، واحتضنت ملايين السودانيين الذين أجبرتهم الحرب على النزوح، فكانت لهم المدينة الأم، والملاذ الآمن، والبيت الذي اتسع للجميع.
لم تستقبلهم كغرباء أو ضيوف عابرين، وإنما كأهلٍ وأبناء وطن واحد. تقاسم أهلها معهم البيوت، واللقمة، والهموم، والأمل، حتى أصبحت ولاية البحر الأحمر نموذجاً سودانياً نبيلاً للتكافل والتعايش، ورسالةً عملية تؤكد أن السودان، مهما اشتدت عليه المحن، يظل وطناً يجمع أبناءه.
ومن قلب هذه المدينة الصامدة، جاء استئناف بث هيئة إذاعة وتلفزيون ولاية البحر الأحمر بعد توقف دام ثلاث سنوات، ليعلن أن صوت الوطن لا يمكن أن ينطفئ. فعودة البث ليست حدثاً إعلامياً فحسب، بل إعلانٌ بأن المؤسسات الوطنية قادرة على النهوض، وأن الإرادة السودانية أقوى من الحرب والدمار.
لقد ظلت إذاعة البحر الأحمر، عبر تاريخها، صوت الإنسان البسيط، وذاكرة الولاية، ومنصةً لنقل الثقافة والفنون والتراث. حملت عبر أثيرها أصوات الصيادين، والعمال، والمزارعين، والمبدعين، وعكست التنوع الثقافي الفريد الذي تتميز به الولاية، حيث تتعايش القبائل والثقافات في لوحة وطنية جميلة، تؤكد أن التنوع مصدر قوة ووحدة، لا سبب فرقة.
واليوم، ومع انطلاقة البث الجديدة، فإن المسؤولية أكبر، لأن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل أصبح شريكاً في صناعة الوعي، وترسيخ قيم السلام، وتعزيز الهوية الوطنية، ودعم التنمية، وإبراز الصورة الحقيقية للسودان.
ولا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز دون الوقوف تقديراً للدور الكبير الذي اضطلع به والي ولاية البحر الأحمر، الوالي الهمام، الذي قاد جهود إعادة تأهيل الهيئة، وآمن بأن الإعلام ركيزة من ركائز بناء الدولة، وأن استعادة المؤسسات لا تقل أهمية عن إعادة إعمار الطرق والمباني. لقد جسّد مفهوم القيادة التي تعمل بصمت، وتؤمن بأن الاستثمار في الإعلام هو استثمار في الإنسان والوطن.
كما أن هذا النجاح يؤكد أن التنمية لا تصنعها جهة واحدة، وإنما هي ثمرة شراكة حقيقية بين مؤسسات الدولة والقطاع الوطني والمجتمع. وهنا يبرز الدور الوطني الكبير لهيئة الموانئ البحرية، التي ظلت، كما أكد السيد الوالي، شريك النجاح الأول في كثير من مشروعات الولاية، والداعم الرئيس للمبادرات التنموية والخدمية. فمنذ عقود، لم تكن الموانئ مجرد مرفق اقتصادي، بل مؤسسة وطنية تحمل مسؤوليتها تجاه المجتمع، وتساند كل مشروع يخدم إنسان البحر الأحمر.
إن احتفال اليوم ليس احتفالاً بعودة بث إذاعي أو تلفزيوني فحسب، بل هو احتفال بعودة الأمل، وبانتصار الإرادة، وبقدرة السودان على النهوض من بين الركام. إنه رسالة تقول إن الوطن، مهما جُرح، سيظل حياً في قلوب أبنائه، وإن الإعلام سيبقى ضمير الأمة ولسانها، وحارس ذاكرتها.
وبين ضلوع الوطن العزيز… سيظل السودان يسكن قلوبنا، وسيظل حبه الغاية التي لا غاية بعدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى