
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
في البدء، نتقدم بخالص التعازي وصادق المواساة إلى معالي الفريق أول ركن شمس الدين كباشي إبراهيم في وفاة شقيقته، سائلين الله سبحانه وتعالى أن يتغمدها بواسع رحمته، وأن يسكنها فسيح جناته، وأن يلهم معاليه وأسرته الكريمة جميل الصبر وحسن العزاء. فالموت حق، ولا يملك الإنسان أمامه إلا الرضا بقضاء الله وقدره.
ومنذ أيام، ظللت أتابع أقلامًا عديدة تتناول معالي الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، بعضها يدافع عنه، وبعضها يهاجمه، وبعضها يحاول تفسير كل خطوة يقوم بها باعتبارها جزءًا من صراع خفي داخل مؤسسات الدولة. وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي القفز فوقه:
من الذي يستهدف معاليه؟ وهل هناك استهداف أصلًا، أم أن ما يجري مجرد اختلافات في القراءة والتحليل؟
في تقديري، فإن المسؤول الذي يشغل موقعًا متقدمًا في إدارة دولة تمر بظروف استثنائية لا يحتاج إلى كتّاب موسميين يظهرون عند كل أزمة ثم يختفون عند أول اختبار، ولا يحتاج إلى حملات إعلامية ترفع الشعارات أكثر مما تقدم الرؤية. ما يحتاجه هو مستشارون محنكون، يمتلكون الخبرة، ويقولون الحقيقة كما هي، لا كما يرغب الآخرون في سماعها.
فالدول لا تُدار بالمقالات وحدها، ولا بالتصفيق، ولا بردود الأفعال، وإنما تُدار بمراكز تفكير، وبالعقول التي تضع النقاط على الحروف قبل أن تتحول الأخطاء الصغيرة إلى أزمات كبيرة.
والتاريخ يعلمنا أن كثيرًا من القادة لم يسقطوا بسبب خصومهم بقدر ما أضعفتهم دوائر ضيقة أحاطت بهم، فحجبت عنهم الحقائق، وجمّلت لهم الأخطاء، وأوهمتهم بأن كل شيء يسير على ما يرام. وعندما اكتشفوا الواقع، كان الوقت قد تأخر.
إن المرحلة التي يعيشها السودان اليوم هي من أعقد المراحل في تاريخه الحديث؛ حرب، وأزمة إنسانية، وتحديات اقتصادية، واستقطاب سياسي، وضغوط إقليمية ودولية. وفي مثل هذه الظروف يصبح القرار الرشيد نتاجًا لمؤسسات قوية، ونقاش صريح، ومعلومات دقيقة، لا لدوائر المجاملة أو الحسابات الشخصية.
ولهذا، فإن أي مسؤول في موقع صنع القرار يحتاج إلى من يختلف معه بعلم، لا إلى من يوافقه على كل شيء. فالمستشار الحقيقي لا يزين الواقع، بل يكشف مواطن الخلل، ويقترح البدائل، ويحذر من المخاطر قبل وقوعها.
أما عن الحديث المتكرر بشأن استهداف الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، فإن إطلاق مثل هذا الوصف يحتاج إلى أدلة واضحة، لأن الشخصيات العامة بطبيعتها تكون محل تأييد ونقد ومتابعة. وقد يكون بعض النقد موضوعيًا، وقد يكون بعضه مدفوعًا بخلافات سياسية أو رؤى مختلفة، لذلك فإن التمييز بين النقد المشروع والاستهداف المنظم يظل أمرًا يتطلب قرائن لا مجرد انطباعات.
ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن لأي مسؤول أن يحول النقد إلى فرصة لتحسين الأداء؟ هنا تكمن قيمة المستشارين الأكفاء، والمؤسسات التي تسمح بتعدد الآراء، وآليات التقييم المستمر.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى صناعة أبطال إعلاميين، بقدر ما يحتاج إلى صناعة مؤسسات قادرة على تجاوز الأزمات، وإلى رجال دولة ينظرون إلى المستقبل بعين الإستراتيجية لا بعين اللحظة.
ويبقى معالي الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، بحكم موقعه، أمام مسؤولية تاريخية كبيرة، كما يبقى تقييم أدائه حقًا مشروعًا للرأي العام في إطار الاحترام والموضوعية، بعيدًا عن الشخصنة أو التخوين.
فالتاريخ لا يخلد من كثرت حوله الأقلام، وإنما يخلد من أحسن إدارة الدولة، وأصاب في القرار، وترك خلفه مؤسسات أقوى مما كانت.
والله من وراء القصد



