
ليست كل الصور تحتاج إلى تعليق فبعضها يكتب افتتاحية كاملة. وصورة كلبس واحدة من تلك الصور التي تُسقط آلاف الخطب والبيانات.
مواطن سوداني يحمل حجراً من فناء مدرسة أنهكتها “حرب ال دقلو
بينما تقف الجدران شاهدة على سنوات تحولت فيها الفصول الدراسية إلى مواقع وسكنات عسكرية للمليشيا بدلًا من أن تكون منارات للعلم.
هنا لا نتحدث عن مبنى متضرر بل عن وطن استُهدف في مستقبله فالمدرسة مصنع الأجيال، وعندما تتحول إلى ثكنة عسكرية فإن الجريمة لا تُرتكب بحق الحاضر وحده، بل بحق المستقبل أيضًا.
أي مشروع هذا الذي يبدأ باحتلال المدارس؟ وأي قضية تلك التي ترى في مقعد التلميذ موقعًا عسكريًا، وفي سبورة التعليم ساتراً للحرب؟
إن تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات قتال يمثل، في أي صراع انتهاكًا خطيراً للقانون الإنساني الدولي، قبل أن يكون سقوطاً أخلاقياً .
لكن ما يثير الاستغراب ليس ما فعلته الحرب وحدها بل ما لم يفعله المجتمع الدولي .
أين كانت المنظمات التي لا تتوقف عن الحديث عن حماية المدنيين؟
أين لجان تقصي الحقائق؟
وأين البيانات التي تصدر عادة بسرعة البرق عندما تتوافق الوقائع مع المزاج السياسي الدولي؟
الصمت هنا ليس مجرد غياب للكلمات بل يفتح الباب لأسئلة مشروعة حول ازدواجية المعايير في التعامل مع معاناة الشعب السوداني .
ثم تأتي القضية الأكثر إثارة
تداولت صور ومقاطع من داخل كلبس تُظهر مدرعة تحمل شعار الأمم المتحدة (UN) داخل مسرح العمليات تُقاتل إلى جانب المليشيا
هذه الحادثة تُمثل ضربة قاسية لمبدأ الحياد الذي تقوم عليه عمليات الأمم المتحدة
وسيستوجب مساءلة شفافة تكشف كيف وصلت مركبة تحمل هذا الشعار إلى ساحة القتال في كلبس ؟
وما إذا كان قد جرى استخدامها في مناطق أخرى على نحو يخالف الغرض المخصص لها.
فمثل هذه الحادثة لا يجوز أن تُترك معلقة بين النفي والتداول بل تستحق تحقيقًا واضحاً
ويبقى المشهد الأكثر صدقاً هو مشهد أهل كلبس أنفسهم.
لم ينتظروا وفداً ولم يعلقوا آمالهم على مؤتمرات بل عادوا بأيديهم ليزيلوا آثار الحرب عن مدارسهم وبيوتهم واختاروا البناء بعد أن فرضت عليهم الحرب الدمار.
وهنا تكمن الرسالة التي لا يمكن تجاهلها.
تحرير الأرض لا يكتمل إلا بتحريرها من المغتصب بل تحريرها من آثار الحرب وإعادة البناء لا تبدأ لا بوضع الحجر الأول الذي يضعه صاحب الأرض بيده.
كلبس اليوم ليست مجرد مدينة خرجت من أتون المعركة
بل أصبحت اختباراً أخلاقياً للمجتمع الدولي ولكل من يرفع شعارات حماية المدنيين.
فالمدرسة التي عادت لتستقبل الحياة تذكّر العالم بأن الشعوب قد تتعثر لكنها لا تفقد قدرتها على النهوض.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يمتلك العالم الشجاعة للتحقيق في كل الانتها.كات أيًا كان مرتكبها، أم أن العدالة ستظل تُقاس بميزان السياسة لا بميزان الحقيقة؟


