بين تدهور العملة واجتماعات المعالجة.. أين كان التخطيط قبل العودة إلى الخرطوم؟

الحاكم نيوز :

الحاكم نيوز :

في مقالي السابق تناولتُ الآثار الاقتصادية والفنية التي صاحبت عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم، وكيف انعكس ذلك على الإيرادات العامة وأداء الأجهزة المالية والتحصيلية. واتت بعدها اجتماعات مجلس السيادة الخاصة بالأوضاع الاقتصادية وسعر الصرف لتؤكد أن هناك أزمة حقيقية تتطلب مواجهة الأسباب قبل معالجة النتائج. وقد أشرتُ في المقال الثاني إلى تقديري للمجلس على سرعة استجابته واهتمامه، لكن لا بد من العودة إلى جذور الأزمة، وفي مقدمتها انتقال الحكومة من بورتسودان إلى الخرطوم، وما ترتب على ذلك من آثار مباشرة على الأداء المالي والإداري.

 

ونحن نواصل في سلسلة “جرد الشفافية”، ومن الداخل ، فإن مقصدنا الأول هو المواطن السوداني، صاحب المصلحة الحقيقية في معرفة ما جرى وما يجري داخل مؤسسات الدولة. كما أن الهدف من هذا الطرح هو تعزيز مبدأ الرقابة الشعبية على الجهاز التنفيذي، لأن الدولة لا يمكن أن تحقق الاستقرار أو الإصلاح دون شفافية ومساءلة ومحاسبة.

 

لقد قلناها سابقاً ونكررها اليوم: بدون رقابة ومحاسبة لن يستقيم الظل، ولن تتوقف الأخطاء عن التكرار، ولن تتطور مؤسسات الدولة إذا كانت الأخطاء تمر دون تقييم أو مراجعة أو مساءلة.

 

ومن هذا المنطلق يبرز سؤال جوهري لا بد من طرحه بشجاعة ومسؤولية: هل تمت العودة إلى الخرطوم دون معرفة حقيقية بالتحديات التي ستواجهها الدولة بعد العودة؟ أم أن المؤسسات الفنية والخبرات الإدارية لم تُمنح الفرصة الكافية لتقديم رؤيتها؟ أم أن التحذيرات كانت موجودة ولكن لم تجد طريقها إلى مراكز اتخاذ القرار؟ وهل والي الخرطوم أعطي الضوء الاخضر للعودة وهو الحاكم الحقيقي للخرطوم ام لم يكن صاحب قرار في هذا الشأن وفرض عليه الامر بدون مشاورة ؟ وهل اللجنة السابقة إنسحبت من المشهد عندما لم يستجاب لتوصياتها واقتراحاتها ؟ أم ماذا حدث ويحدث بالظبط في ملف العودة ؟

 

فالعودة إلى الخرطوم لم تكن مجرد انتقال جغرافي للوزارات، وإنما عملية تشغيلية وإدارية ومالية وتقنية معقدة كان يفترض أن تسبقها دراسات تفصيلية وخطة انتقالية واضحة تتضمن تحليل المخاطر ووضع البدائل وخطط الطوارئ.

 

وللأسف فإن الوقائع التي ظهرت بعد العودة تشير إلى أن العديد من المقومات الأساسية لم تكن مكتملة. فعدد من الوزارات لم يجد مقرات عمل مجهزة، وبعضها تم توزيعه داخل مباني مؤسسات ووزارات أخري . ووزارات ومؤسسات أخري لم تكن من الاولويات الأولي وطالبت بإيجارات دولارية ، بينما واجهت المؤسسات الإيرادية صعوبات حقيقية في ممارسة أعمالها بالصورة المعتادة.

 

وكانت المشكلة الأكثر تأثيراً هي تعطل منظومة التحصيل بالكفاءة المطلوبة نتيجة عدم اكتمال الربط الفني والتشغيلي بين الجهات الإيرادية والبنوك وشبكة “إيصالي” التي تمثل العمود الفقري لتحصيل الإيرادات الحكومية. فالجمارك والضرائب والشرطة وهي ذات النصيب الأكبر من إيرادات الدولة ، تعتمد بصورة كبيرة على هذه المنظومة لضمان التحصيل والتوريد الفوري والرقابة المالية الدقيقة.

 

وعندما انتقلت الوزارات إلى الخرطوم لم تكن البنية التشغيلية جاهزة بالكامل، ولم تكن البنوك قد أكملت انتقالها وربطها الفني بالصورة المطلوبة، مما خلق فجوة بين عملية التحصيل وعملية التوريد.

 

وحسب علمي تم اللجوء إلى الأرنيك الرقمي القديم كحل مؤقت، لكنه لا يوفر الكفاءة والسرعة والرقابة نفسها التي توفرها منظومة التحصيل الإلكتروني المتكاملة (إيصالي) كما أن التأخير في التوريد أو تعقيد الإجراءات يزيد من الضغوط على المالية العامة في وقت تحتاج فيه الدولة إلى أعلى درجات الانضباط المالي.

 

كما أن ظروف الحرب وما خلفته من أضرار في البنية التحتية للكهرباء والاتصالات والإنترنت جعلت عملية تشغيل الأنظمة الإلكترونية أكثر تعقيداً. وكان من الواجب أن تتم دراسة هذه المعوقات مسبقاً ووضع حلول عملية قبل اتخاذ قرار العودة.

 

ومن الملاحظ أيضاً أن العودة تزامنت مع تحديات إدارية داخل وزارة المالية نفسها، وهي الوزارة المسؤولة عن قيادة الملف الاقتصادي. فقد شهدت الوزارة تغيرات هيكلية وخلافات إدارية أثرت على الانسجام المطلوب في مرحلة كان يفترض أن تتسم بأعلى درجات التنسيق والتنفيذ السريع.

 

وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية: هل كان من الأفضل تنفيذ العودة عبر برنامج انتقالي مرحلي يمتد لعدة أشهر؟ وهل كان من الأفضل استكمال جاهزية المقار الحكومية والبنوك وشبكات الاتصالات وأنظمة التحصيل قبل نقل المؤسسات السيادية والاقتصادية؟

 

إن التجارب الإدارية الناجحة في العالم تؤكد أن الانتقال المؤسسي لا يتم بالشعارات ولا بالرغبات، وإنما بالخطط والجداول الزمنية والاختبارات المسبقة والبدائل الاحتياطية. فالنجاح لا يقاس بقرار العودة نفسه، وإنما بقدرة المؤسسات على أداء وظائفها دون انقطاع أو تراجع.

 

ورغم ذلك، فإن الحديث عن الأخطاء لا يعني رفض العودة إلى الخرطوم، بل يعني المطالبة بعودة ناجحة ومستدامة ومبنية على أسس فنية سليمة. فالعاصمة هي مركز الدولة الطبيعي، لكن نجاح العودة إليها يتطلب اكتمال البيئة التشغيلية والأمنية التي تمكن مؤسسات الدولة من أداء مهامها بكفاءة.

 

واليوم، وبعد ظهور هذه التحديات، فإن المطلوب ليس البحث عن مبررات، بل البحث عن حلول. ومن بين هذه الحلول إعادة بناء منظومة التحصيل الإلكتروني بصورة عاجلة، وتسريع تجهيز البنوك والمؤسسات المالية، وتوفير بدائل تشغيلية مستقلة مثل ماكينات التحصيل التي تعمل دون الاعتماد الكامل على الشبكات أو الكهرباء، وهي تجربة أثبتت نجاحها سابقاً في عدد من الولايات.

 

كما أن المرحلة الحالية تحتاج إلى مراجعة شاملة لكل خطوات الانتقال التي تمت، وتقييم موضوعي لما نجح وما فشل، والاستفادة من الدروس المستخلصة حتى لا تتكرر الأخطاء مستقبلاً.

 

وفي خضم هذا النقاش، لا بد من استحضار رؤية وزير المالية الأسبق ، الذي كان يؤمن بأن الحل الحقيقي لأي أزمة اقتصادية يبدأ من الإنتاج وليس من الإجراءات المؤقتة، وهو صاحب المقولة الشهيرة: “إنتاج من أجل الصادر لتحسين مستوى المعيشة”.

 

فاستقرار العملة لا يتحقق بالمعالجات الإدارية وحدها، وإنما بزيادة الإنتاج والصادرات واستعادة الإيرادات العامة وتحسين كفاءة الدولة في إدارة مواردها.

 

وفي الختام، فإن جرد الشفافية الذي نطرحه اليوم ليس محاكمة لأشخاص، وإنما مراجعة لتجربة يجب أن تُدرس بموضوعية. فالأمم التي تتقدم هي التي تواجه أخطاءها بشجاعة وتتعلم منها، أما تجاهل الأخطاء أو تبريرها فلن يؤدي إلا إلى تكرارها.

 

ويبقى السؤال الذي ينتظر المواطن السوداني إجابته: من الذي قيّم جاهزية العودة؟ وما هي الدراسات التي استند إليها القرار؟ ومن يتحمل مسؤولية الآثار التي ظهرت بعد التنفيذ؟ وهل والي الخرطوم أعطي الضوء الأخضر للعودة وهو المسئول الأول عن الولاية أم اتّبعت معه سياسة الأمر الواقع ؟ وهل اللجنة السابقة التي انسحبت من المشهد وقدمت استقالاتها كان لها رأي آخر لم يستجاب له ؟ والأهم من ذلك كله، ما هي الإجراءات العاجلة التي ستعيد للدولة كفاءة مؤسساتها وتحافظ على قيمة العملة الوطنية وتحمي ما تبقى من الاقتصاد السوداني؟

 

هذه أسئلة مشروعة، والإجابة عليها حق للمواطن وواجب على كل مسؤول، لأن الشفافية والمحاسبة ليستا خياراً، بل ضرورة لاستقامة الدولة وحماية المال العام،

 

وبالبلدي كده؛

 

عندما بدأنا نقل عملنا الخاص في مجال التأشيرات بمدينة بورتسودان من صالة الربوة إلى صالة أتينينا، على بعد خطوات قليلة منها، لم نتحرك بعشوائية، رغم أن الأمر لا يتجاوز الانتقال من مبنى إلى آخر. بدأنا أولًا بوضع خطة تنفيذية متكاملة، شملت تحليل المخاطر، والبدائل، وخطط الطوارئ.

بعدها استأجرنا الموقع الجديد، وكان أرضًا خالية، فشيدناه وجهزناه، وأبرمنا العقود، وأنشأنا البنية التقنية والسيرفرات، وجهزنا 30 كاونترًا لخدمة الجمهور، إضافة إلى صالة لرجال الأعمال، وكل ذلك خلال 45 يومًا.

وعند الافتتاح لم ننقل العمل دفعة واحدة، بل بدأنا بتشغيل 10 كاونترات فقط لمدة عشرة أيام، بينما استمر الموقع القديم في العمل بالتزامن مع الجديد، حتى لا تتوقف الخدمة لأي ظرف طارئ. وبعد التأكد من كفاءة الأنظمة، وسلاسة التشغيل، وقياس رضا الجمهور عبر استمارات مخصصة، نقلنا بقية الموظفين والخدمات تدريجيًا حتى وصل التشغيل إلى نسبة 100%.

بل إننا واصلنا دفع إيجار المبنى القديم لمدة شهرين إضافيين، رغم خلوه، حتى تأكدنا تمامًا من استقرار العمل في الموقع الجديد، وبعد ثلاثة أشهر فقط سلّمنا المبنى القديم لصاحبه.

إذا كانت هذه هي الطريقة التي تُدار بها عملية انتقال داخل شركة خاصة، ومن صالة إلى أخرى لا تبعد سوى خطوات قليلة… فكيف ينبغي أن تُدار عملية نقل مؤسسات ووزارات دولة كاملة؟

 

قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. صدق الله العظيم

 

كابتن طيار عادل المفتي

٢٧ يونيو ٢٠٢٦ م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى