
من أوسلو إلى كيغالي، ومن أديس أبابا إلى نيروبي، ومن برلين إلى لندن ومن باريس الي جنيف تنقلت الاجتماعات والورش والمؤتمرات تحت عناوين السلام والحوار وإنقاذ السودان، بينما ظل ملايين السودانيين عالقين بين الحرب والنزوح والجوع، ينتظرون سلامًا لم يصل بعد.
منذ اندلاع الحرب، تحولت القضية السودانية إلى ملف دائم على أجندة العواصم الإقليمية والدولية. عُقدت عشرات الاجتماعات والمنتديات وورش العمل، وأُنفقت ملايين الدولارات تحت شعارات البحث عن حلول للأزمة السودانية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد كل هذا الحراك السياسي والدبلوماسي، هو: ماذا كسب الشعب السوداني؟
بعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتل والتهجير والانتهاكات والانهيار الإنساني، لا تزال معاناة المدنيين تتفاقم بوتيرة غير مسبوقة. ملايين النازحين واللاجئين ينتظرون المساعدة، ومدن وقرى بأكملها دُمّرت أو أُفرغت من سكانها، فيما تتسع دائرة الفقر والجوع وانعدام الخدمات الأساسية. أما مخرجات المؤتمرات والاجتماعات، فقد ظلت في معظمها حبيسة البيانات الختامية والتوصيات التي لم تنعكس على واقع المواطنين الذين يدفعون الثمن يومًا بعد يوم.
إن المشكلة لم تكن يومًا في غياب المبادرات، وإنما في طبيعة المقاربة التي أُديرت بها الأزمة. فمنذ بداية الحرب، جرى التركيز على القوى السياسية ذاتها، والوجوه ذاتها، والشركاء أنفسهم الذين ظلوا يتنقلون بين العواصم والمنابر، بينما غُيّبت الأصوات التي عاشت المأساة على الأرض، وتحملت أعباءها، ودفعت كلفتها الإنسانية الباهظة.
لقد غاب الضحايا عن طاولات النقاش التي يُفترض أنها تناقش مصيرهم، وغابت المجتمعات المحلية، ولجان المبادرات المجتمعية، ومنظمات المجتمع المدني المستقلة، والمتطوعون والعاملون في المجال الإنساني، والنساء والشباب الذين تحملوا العبء الأكبر للحرب. وفي المقابل، استمرت عملية إعادة إنتاج المشهد السياسي نفسه، وكأن الأزمة السودانية تعاني من نقص في السياسيين، لا من غياب أصوات المتضررين الحقيقيين.
ولا شك أن العديد من الدول والمؤسسات الدولية التي استضافت هذه اللقاءات انطلقت من رغبة صادقة في المساهمة بإنهاء الحرب ودعم الاستقرار في السودان. غير أن حسن النوايا وحده لا يكفي لتحقيق السلام. فالسلام لا يُصنع عبر تكرار الأدوات ذاتها التي أخفقت في تحقيق نتائج ملموسة، ولا يتحقق بإقصاء أصحاب المصلحة الحقيقيين واستبدالهم بمن يتحدثون باسمهم دون تفويض مباشر منهم.
لقد أثبتت التجربة أن الذين بقوا إلى جانب المواطنين في أحلك الظروف لم يكونوا النخب المتنقلة بين الفنادق وقاعات المؤتمرات، بل المتطوعين والعاملين في المجال الإنساني والمنظمات المجتمعية والقيادات المحلية التي واصلت تقديم الغذاء والدواء والإيواء والحماية، ووثقت الانتهاكات، وساهمت في الحفاظ على ما تبقى من تماسك المجتمع السوداني.
إن السودان لا يحتاج إلى المزيد من المؤتمرات بقدر ما يحتاج إلى مراجعة جادة لطريقة إدارة أزمته. يحتاج إلى عملية سلام تنطلق من معاناة الناس لا من حسابات النخب، ومن أولويات الضحايا لا من أجندات الفاعلين السياسيين، ومن الواقع الميداني لا من التصورات النظرية التي تُصاغ بعيدًا عن أصوات المتأثرين بالحرب.
لقد آن الأوان لأن يدرك المجتمع الدولي والشركاء الإقليميون أن الاستماع إلى السودانيين لا يعني الاستماع إلى مجموعة محدودة من السياسيين، بل يعني الإنصات إلى ملايين الضحايا الذين لم يجدوا حتى اليوم فرصة حقيقية للتعبير عن رؤيتهم لمستقبل بلادهم.
فالسودان ليس قاعة اجتماعات، وليس مشروعًا سياسيًا تتنافس عليه النخب، وليس ملفًا دبلوماسيًا يُنقل من عاصمة إلى أخرى. السودان وطن ينزف، وشعب يستحق أن يكون حاضرًا في صناعة القرارات المتعلقة بمصيره.
وإذا كانت السنوات الماضية قد أثبتت شيئًا، فهي أن الطريق إلى السلام لن يُعبّد بالمزيد من الرحلات والورش والبيانات، بل بإعادة الاعتبار للضحايا، وتمكين المجتمعات المتأثرة بالحرب من المشاركة الحقيقية في رسم مستقبلها.
إن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم على كل مبادرة ومنبر ومؤتمر يتعلق بالسودان ليس: من حضر؟ بل: من غاب؟ لأن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال تكشف الحقيقة كاملة.
لقد غاب السودان الحقيقي، وغاب الضحايا الحقيقيون، وغابت أصوات الذين دفعوا الثمن الأكبر للحرب. وما لم يتغير ذلك، ستظل المؤتمرات تتوالى، وستظل البيانات تُصدر، لكن السلام سيبقى بعيد المنال.
إن إنقاذ السودان يبدأ عندما يتوقف الآخرون عن التحدث باسم الضحايا، ويبدأ الضحايا أنفسهم في التحدث باسم السودان.



