أخر الأخبار

توضيح من دكتورة.شذي الشريف حول مشاركة جعفر الميرغني في منتدى أوسلو

في ظل ما أُثير من لغط وتأويلات غير دقيقة بشأن مشاركة السيد جعفر الميرغني في منتدى أوسلو، تبرز الحاجة إلى وضع هذه المشاركة في إطارها الصحيح، بعيداً عن المزايدات السياسية والاستنتاجات التي لا تستند إلى الوقائع أو إلى طبيعة المنتدى نفسه.
أولاً، فإن منتدى أوسلو ليس مؤتمراً مخصصاً للسودان، ولا منصة تفاوض بين الأطراف السودانية، وإنما يُعد أحد أبرز المنتديات الدولية المعنية بقضايا السلام والأمن والنزاعات الدولية، ويشبه في طبيعته المنتديات العالمية الكبرى التي تجمع صناع القرار والسياسيين والدبلوماسيين والخبراء من مختلف أنحاء العالم، مثل منتدى دافوس الاقتصادي ومؤتمر ميونخ للأمن ومنتدى الدوحة وحوار المنامة.
ويشارك في المنتدى سنوياً ممثلون لعشرات الدول والمنظمات الدولية والإقليمية، حيث تُناقش خلاله ملفات متعددة تشمل قضايا الأمن والسلام والصراعات الدولية في مناطق مختلفة من العالم، من أوروبا والشرق الأوسط إلى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. أما السودان فهو واحد من بين العديد من الملفات المطروحة للنقاش، وليس محور المنتدى أو غايته الأساسية.
ثانياً، فإن طبيعة هذه المحافل الدولية تقوم على جمع أصحاب المصلحة والفاعلين الدوليين والإقليميين وممثلي الحكومات والقوى السياسية والمدنية المختلفة تحت سقف واحد، بما في ذلك أطراف قد تكون بينها خلافات سياسية أو نزاعات قائمة. ولذلك فإن مجرد وجود وفود أو شخصيات متعددة في المنتدى نفسه لا يعني قيام لقاءات مباشرة بينها، ولا يشكل اعترافاً سياسياً بأي طرف، ولا يُعد تفاوضاً أو اتفاقاً أو تبنياً لمواقف الآخرين.
ومن المهم التأكيد أن المشاركة في مثل هذه المنتديات لا تعني تبني أجندة الجهة المنظمة أو مواقف المشاركين الآخرين، وإنما تمثل فرصة لعرض الرؤى الوطنية والتفاعل مع المجتمع الدولي بصورة مباشرة، بما يتيح تصحيح المفاهيم المغلوطة وتوضيح الحقائق المتعلقة بالشأن السوداني من منظور وطني مستقل.
ثالثاً، فإن مشاركة السيد جعفر الميرغني في المحافل الدولية والإقليمية ليست أمراً مستحدثاً أو استثنائياً، بل تأتي امتداداً لدور سياسي ودبلوماسي ظل يضطلع به عبر سنوات طويلة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأهمية الحضور السوداني في المنابر الدولية التي تُناقش قضايا السلام والاستقرار والتحولات السياسية في المنطقة.
لقد ظل نهجه قائماً على أهمية إيصال صوت السودان إلى المجتمع الدولي، وشرح تعقيدات المشهد السوداني بعيداً عن التبسيط المخل أو الروايات الأحادية، بما يحفظ سيادة البلاد ووحدتها ويعزز فرص الاستقرار والسلام.
كما أن غياب القوى الوطنية عن المنابر الدولية التي يُناقش فيها الشأن السوداني لا يخدم المصالح الوطنية، بل يترك المجال مفتوحاً أمام الآخرين لتقديم تصوراتهم ورواياتهم دون الاستماع إلى مختلف وجهات النظر السودانية. ومن هذا المنطلق، فإن المشاركة المسؤولة في هذه المحافل تُعد واجباً سياسياً ووطنياً يهدف إلى الدفاع عن مصالح السودان والتعريف بقضاياه الحقيقية أمام المجتمعين الإقليمي والدولي.
إن الانفتاح على المنابر الدولية والحضور فيها لا ينبغي أن يُفسر باعتباره تنازلاً عن الثوابت الوطنية أو اصطفافاً مع هذا الطرف أو ذاك، بل هو جزء أصيل من العمل السياسي المسؤول الذي يهدف إلى خدمة المصالح الوطنية العليا، وتعزيز فرص السلام والاستقرار، ومواجهة الروايات المغلوطة التي تحاول بعض الجهات تسويقها خارجياً.
وعليه، فإن محاولات تصوير مشاركة السيد جعفر الميرغني في منتدى دولي جامع على أنها تمثل تحولاً في المواقف السياسية المعلنة، أو اصطفافاً إلى جانب طرف معين، هي قراءات تفتقر إلى الموضوعية ولا تنسجم مع طبيعة المنتدى أو مع الوقائع المرتبطة بالمشاركة نفسها.
إن السودان يمر بمرحلة دقيقة تتطلب قدراً عالياً من الحكمة والانفتاح والمسؤولية الوطنية، وتفرض على القوى السياسية أن تكون حاضرة في كل المنابر التي تتيح لها الدفاع عن مصالح البلاد وشرح قضاياها وحشد الدعم لاستقرارها ووحدتها وسيادتها، دون تفريط في الثوابت الوطنية أو تجاوز لإرادة شعبها.
ويبقى الحوار السوداني ـ السوداني هو الأساس لأي تسوية وطنية مستدامة، وهو الطريق الأمثل لمعالجة الأزمة الراهنة وبناء مستقبل يستوعب جميع السودانيين. أما المشاركة في المحافل الدولية فهي وسيلة مشروعة لشرح المواقف الوطنية والدفاع عن مصالح السودان، وليست بديلاً عن الإرادة الوطنية ولا انتقاصاً منها.
وعلى هذا الأساس، تندرج مشاركة السيد جعفر الميرغني في منتدى أوسلو ضمن إطار العمل السياسي والدبلوماسي المسؤول، الهادف إلى خدمة القضايا الوطنية وتعزيز فرص السلام والاستقرار، بعيداً عن الاستقطاب والمزايدات السياسية التي لا تسهم في معالجة التحديات التي تواجه السودان وشعبه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى