لقد قامت الحرب علي الشعب السوداني بفعل الداخل والخارج، حرباً غادرةً شردت المواطن وسلبت الأموال وانتهكت الأعراض وقتلت الأنفس بلا ذنب، ومازالت الانتهاكات مستمرة من قبل مليشيات الدعم السريع المدعومة دولياً، لتضيف إلى سنوات القحط الاقتصادي جراحاً داميةً في الجسد والروح، وتضاعف من معاناة شعبٍ صابرٍ لم يجنِ سوى الألم من مؤامرات الداخل وتواطؤ الخارج. كانت هذه الحرب امتداداً للسنين العجافاً، إذ لم تكتفِ بتجفيف الموارد وإفقار الشعب، بل سعت إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وتدمير البنية الوطنية، حتى صار المواطن السوداني بين نار الفقر ونار الرصاص، يواجه الموت والتشريد في وطنه الذي كان ينبغي أن يكون مأمناً وملاذاً.
لقد مرّ السودان بسبع سنينٍ عجافاً، كانت بمثابة امتحان قاسٍ لإرادته وصبره، سنواتٌ تتابعت فيها الأزمات الاقتصادية وتراكمت فيها المحن السياسية والاجتماعية، حتى غدت الحياة أشبه بجدبٍ ممتدٍ لا يرحم، يأكل ما ادّخر الناس ويستنزف طاقتهم، ويضعهم أمام تحدياتٍ وجوديةٍ لا مفرّ منها. كانت تلك الحقبة صورةً مكثفةً من القحط المعنوي والمادي، حيث ضاق العيش وقلّ الدخل وضعفت الموارد، وتكالب الداخل والخارج على إضعاف السودان، فصار المواطن بين مطرقة التضييق وسندان الحاجة، يواجه الركود والتعثر في كل ناحية من نواحي الحياة.ومع ذلك، فإن هذه السنين العجافاً لم تكن مجرد محنةٍ عابرة، بل كانت مدرسةً قاسيةً أفرزت دروساً عميقةً لا بد من استيعابها. لقد علمتنا أن الاعتماد على الخارج دون بناء قاعدة داخلية صلبة هو وهمٌ قاتل، وأن إدارة الموارد بعشوائيةٍ وغياب التخطيط الاستراتيجي يقود إلى الهلاك، وأن وحدة الصف الوطني هي السلاح الوحيد القادر على صدّ مؤامرات الأعداء.
كما أظهرت لنا أن الشعوب التي تصبر وتتماسك أمام العواصف، هي ذاتها التي تحصد ثمار الرخاء حين تنقشع الغيوم.إن السودان اليوم يقف على أعتاب مرحلة جديدة، مرحلة السبع السنين الخصبة والسمان، التي يُرجى أن تكون سنوات رخاءٍ وازدهاراً، يكثر فيها الزرع ويعمّ فيها الخير، ويغدو السودان قبلةً للوافدين من أوروبا والخليج وآسيا، بما يملكه من أرضٍ خصبةٍ وثرواتٍ كامنةٍ وشعبٍ صبورٍ مبدع. غير أن هذا الوعد لن يتحقق تلقائياً، بل يحتاج إلى خطة إدارية واقتصادية محكمة، وإلى مشروع جامعٍ يلتف حوله الجميع، مشروعٍ يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويُفوت الفرصة على أعداء الداخل والخارج الذين يتربصون بكل لحظة ضعف.
إن الدرس الأكبر من السنين العجافاً هو أن السودان لا يحتمل تكرار التجارب الفاشلة، ولا يحتمل أن يُدار بعقليةٍ ضيقةٍ أو مصالحٍ شخصيةٍ عابرة. المطلوب اليوم هو بناء دولةٍ حديثةٍ تستثمر في الإنسان قبل الأرض، وتُعيد الاعتبار للعلم والمعرفة، وتُطلق طاقات الشباب، وتُحسن إدارة الموارد الطبيعية، وتُقيم علاقات خارجية متوازنة قائمة على الندية لا التبعية.
المطلوب هو أن نُحوّل الألم إلى قوة، وأن نجعل من المحنة منطلقاً للنهضة، وأن نكتب تاريخاً جديداً يليق بهذا الشعب الذي صبر كثيراً وضحى كثيراً.فلتكن هذه السنوات الخصبة القادمة فرصةً لإعادة صياغة السودان، لا مجرد فترة رخاءٍ عابرة، بل مرحلة تأسيسٍ لمستقبلٍ يليق بالأمة السودانية، مستقبلٍ تُشرق فيه شمس العدالة والحرية والكرامة، ويُصبح فيه السودان بحق أرضاً للخير والنماء، ومقصداً للباحثين عن الفرص والرخاء من كل أصقاع الأرض. إننا أمام لحظة تاريخية فارقة، إما أن نغتنمها فننهض، وإما أن نهدرها فنعود إلى عجافٍ جديدةٍ لا تُبقي ولا تذر.
