مجدي عبد العزيز يكتب : دخول الدولة الي سوق الوقود وتدابير حماية الاقتصاد الوطني

جاء قرار مجلس الوزراء بدخول الحكومة مباشرة في استيراد المشتقات البترولية قراراً مهماً واستراتيجياً، ليس فقط لارتباطه بسلعة حيوية تمس حياة المواطنين اليومية، وإنما لأنه يمثل في جوهره إعلاناً واضحاً بأن الدولة قررت أخيراً استعادة زمام المبادرة في واحد من أكثر القطاعات تأثيراً على الاقتصاد الوطني وسعر الصرف ومستوى المعيشة.

القرار الذي صدر عن مجلس الوزراء في اجتماعه بالأمس برئاسة رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس، وأسند تنفيذه إلى وزارات المالية والطاقة وبنك السودان المركزي والأمن الاقتصادي، يعكس إدراكاً متقدماً لحجم التشوهات التي أصابت سوق المشتقات البترولية خلال الفترة الماضية، وللآثار الخطيرة التي ترتبت عليها في الاقتصاد الكلي وفي حياة المواطنين.

▪️ولا شك أن هذه الخطوة تستحق الإشادة والترحيب. صحيح أنها جاءت متأخرة، لكن يبقى أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً. وهذه ليست ملاحظة نقدية بقدر ما هي تعبير عن الاستغراب، لأن مؤشرات الفوضى والاختلالات في هذا القطاع كانت واضحة للعيان منذ فترة طويلة، وكان كثير من المراقبين والخبراء يتساءلون عن الأسباب التي حالت دون تدخل الدولة المباشر لمعالجة هذه الأوضاع.

▪️ولعل ما عزز تلك التساؤلات هو الاعتقاد السائد لدى قطاعات واسعة من الرأي العام بأن بعض الشخصيات النافذة والمستفيدة من الوضع القائم كانت تمارس تأثيراً من نوع ما على مراكز القرار لمنع الحكومة من تبني هذا الخيار، أو على الأقل تأخير اتخاذه، بما يضمن استمرار مصالحها واستفادتها من حالة الفوضى التي أصابت السوق.

▪️إن السيطرة على سوق المشتقات البترولية لا تعني بالضرورة الدخول في مواجهة مع القطاع الخاص الوطني أو إقصاء دوره. فبين المتعاملين في هذا القطاع رجال أعمال وطنيون كانت لهم مساهمات مقدرة في دعم الدولة السودانية خلال معركة الكرامة، ووقفوا إلى جانب مؤسساتها الوطنية في لحظات مصيرية.

▪️غير أن الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها هي أن القطاع نفسه لم يكن خالياً من عناصر وأطراف حملت أجندات مختلفة، وتقاطعت مصالحها بصورة أو بأخرى مع مشروع المليشيا المتمردة وداعميها الإقليميين. ولذلك فإن معالجة اختلالات هذا القطاع لم تكن قضية اقتصادية فحسب، بل كانت وما تزال قضية أمن قومي من الدرجة الأولى.

▪️لقد كان من المفترض، عقب سقوط الأقنعة عن عدد من الشخصيات التي ثبت ارتباطها بالمليشيا، وعلى رأسها المحافظ الأسبق لبنك السودان المركزي الذي انتهى به المطاف محافظاً للبنك المركزي الوهمي الذي أنشأته مليشيا التمرد وتحالف تأسيس، أن تبدأ عملية واسعة لتفكيك الشبكات المالية والاقتصادية التي ظلت تعمل في خدمة مشروع المليشيا، أو تتعاون مع دولة العدوان التي لم تعد تخفي حربها الشاملة ضد السودان، عسكرياً واقتصادياً وإعلامياً وسياسياً.

▪️فالحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح وحده. وكما تستهدف الجيوش في الميدان، تستهدف كذلك العملات والأسواق وسلاسل الإمداد والثقة العامة. ولهذا فإن أي تراخٍ في مواجهة المافيات الاقتصادية أو شبكات المضاربة والتهريب والاحتكار يتحول عملياً إلى ثغرة خطيرة في جبهة الدفاع الوطني.

▪️غير أن دخول الحكومة إلى سوق الاستيراد، على أهميته، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره الحل الوحيد أو الأخير. فهناك حزمة واسعة من التدابير المطلوبة بصورة عاجلة لتحقيق الاستقرار الحقيقي في الأسواق وخفض الأسعار وحماية المستهلكين.

▪️في مقدمة هذه التدابير تشديد الرقابة على الأسواق وسلاسل التوزيع، ومكافحة الاحتكار والتخزين بغرض المضاربة، وتفعيل القوانين الرادعة بحق المتلاعبين بقوت المواطنين، وإعادة بناء منظومة فعالة لحماية المستهلك، إلى جانب إحكام التنسيق بين الأجهزة الاقتصادية والأمنية والعدلية لملاحقة شبكات الفساد والتهريب والمضاربة المنظمة.

▪️إن معركة استقرار السوق لا تنفصل عن معركة استقرار سعر الصرف، ولا عن الجهود الرامية إلى زيادة الإنتاج والصادرات وتحسين الإيرادات العامة للدولة، وهي ملفات تحتاج إلى ذات القدر من الحسم والسرعة والحساسية التي أظهرها مجلس الوزراء في هذا القرار.

▪️إن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تخرج من هذا التطور هي أن الدولة مطالبة بالحفاظ على هذا المستوى من اليقظة تجاه صحة الاقتصاد الوطني. فالاقتصاد ليس ملفاً فنياً هامشياً، وإنما هو أحد أهم ميادين معركة السيادة الوطنية.

▪️لقد أدرك أعداء السودان منذ وقت مبكر أن كسر إرادة الدولة قد لا يتحقق في ميادين القتال وحدها، لذلك سعوا إلى استهداف الاقتصاد الوطني بكل الوسائل الممكنة. فإفقار المواطنين، وإشاعة الفوضى في الأسواق، وإضعاف العملة الوطنية، وخلق أزمات الوقود والسلع الأساسية، كلها أدوات ضمن مشروع أكبر يستهدف إعادة إخضاع السودان وإعادة السيطرة على قراره الوطني.

▪️من هنا فإن حماية الاقتصاد الوطني لم تعد مجرد مهمة حكومية، بل أصبحت جزءاً أصيلاً من معركة الدفاع عن الدولة نفسها. وقرار مجلس الوزراء بدخول سوق المشتقات البترولية يجب أن يُنظر إليه باعتباره خطوة في هذا الاتجاه الصحيح، وخطوة ينبغي أن تتبعها خطوات أكثر جرأة وحسماً حتى تستعيد الدولة كامل قدرتها على حماية اقتصادها ومواطنيها ومستقبلها.

▪️الدول لا تُهزم فقط عندما تسقط عواصمها، وإنما قد تُهزم أيضاً عندما تُترك أسواقها رهينة للمافيات، وعملتها فريسة للمضاربين، واقتصادها أسيراً لأجندات الخصوم

Exit mobile version