من بلفاست إلى السودان… كيف يُصنع خطاب الكراهية وتُستباح الهوية؟

بقلم: د. أحمد عبدالله إسماعيل

تتجلى كراهية بعض أقلام النخب في أخطر صورها حين تتحول من أدوات للتنوير إلى منصات لإنتاج خطاب الكراهية وإعادة تدوير النزعات العنصرية، نتيجة ضيق الأفق الفكري، وسوء فهم التنوع الثقافي والاجتماعي، والعجز عن استيعابه باعتباره أساس قوة الدولة الحديثة لا سبب ضعفها.

إن أخطر ما يكشفه هذا المسار هو الإصرار على تفكيك المجتمع عبر تغذية الهويات المناطقية والعرقية والدينية، بدلاً من ترسيخ هوية وطنية جامعة تقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة، وسيادة القانون، والانتماء إلى السودان بوصفه دولة متعددة الثقافات قادرة على تحويل تنوعها إلى مصدر استقرار وبناء، لا إلى أداة صراع وانقسام.

وفي هذا السياق، جاءت حادثة الاعتداء التي وقعت في مدينة بلفاست بأيرلندا، والمنسوبة إلى أحد السودانيين، لتكشف حجم الاضطراب في الخطاب العام، حيث سارع البعض إلى محاولات إنكار انتماء الفاعل للسودان، أو في المقابل إلى ربطه بإقليم بعينه، في مسار لا يخلو من الانتقائية والتوظيف غير المسؤول للحادثة.

إن هذا السلوك، في جوهره، لا يبتعد عن منطق العنصرية الذي يدّعي معارضته، بل يعيد إنتاجه بشكل أكثر خطورة، لأنه يحول الانتماء الجغرافي أو الإقليمي إلى أداة وصم جماعي، رغم أن هذه الأقاليم نفسها جزء أصيل من السودان، لا يمكن فصلها عنه أو استخدامها كذريعة لتعميم الاتهام أو نزع الانتماء الوطني.

كما أن تحويل حادثة فردية إلى منصة لإعادة إنتاج الأحكام المسبقة، يعكس خللاً عميقاً في الوعي العام، ويكشف عن هشاشة في إدراك مفهوم الدولة، التي يفترض أن تميز بين المسؤولية الفردية والجماعية، وبين الفعل الجنائي والانتماء الوطني.

وفي المقابل، يثير القلق أن بعض الجهات السياسية والإعلامية سارعت إلى إصدار بيانات ومواقف إدانة قبل اكتمال الحقائق، في مشهد يعكس أحياناً رغبة في تسجيل حضور سياسي وإعلامي سريع، أكثر من الحرص على العدالة أو التثبت من الوقائع. وهذا السلوك، في ظل ظروف السودان الحالية، يطرح تساؤلات جوهرية حول أولويات الخطاب العام، بينما تعيش البلاد حرباً مدمرة، وانهياراً اقتصادياً، وجوعاً ونزوحاً ومعاناة إنسانية واسعة النطاق.

إن الانشغال بقضايا هامشية أو معزولة عن السياق الوطني العام، في وقت تتفاقم فيه الكارثة داخل السودان، يمثل خللاً في ترتيب الأولويات، ويُضعف القدرة على مواجهة التحديات الحقيقية التي تهدد وجود الدولة نفسها.

ومن المفارقات المؤلمة أن الخطاب السياسي الذي يدّعي تمثيل القومية السودانية، كثيراً ما يقع في تناقضات واضحة، حين يعيد إنتاج ذات التقسيمات التي أدت إلى تفكك النسيج الاجتماعي، ويُسهم – بشكل مباشر أو غير مباشر – في تعزيز مناخ الشك والاتهام المتبادل بين مكونات الشعب الواحد.

كما لا يمكن تجاهل حقيقة أن أبناء الأقاليم التي يتم أحياناً استهدافها أو وصمها في الخطاب العام، هم أنفسهم من كانوا ضحايا حروب وانتهاكات جسيمة، أجبرت كثيرين منهم على اللجوء إلى دول أخرى بحثاً عن الأمان والكرامة. هؤلاء لم يغادروا أوطانهم اختياراً، بل نتيجة ظروف قاسية فرضتها الحرب والانهيار الأمني، فوجدوا أنفسهم في الشتات، حاملين معهم ملامح السودان الحقيقية، بكل تنوعها وثرائها الإنساني.

إن وجود السودانيين في أوروبا وغيرها من دول اللجوء ليس دليلاً على العزلة أو الانفصال، بل هو شهادة على عمق الأزمة داخل الوطن من جهة، وعلى قدرة السودانيين على الصمود وإعادة بناء حياتهم بكرامة من جهة أخرى، رغم كل ما تعرضوا له من عنف وتشريد.

ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يواجهه السودان اليوم ليس فقط الحرب الميدانية، بل الحرب على الوعي، عبر خطاب الكراهية، والتصنيف الجهوي، وإعادة إنتاج الانقسام داخل المجتمع، بما يهدد فكرة الدولة نفسها ويقوض إمكانية بناء مستقبل مستقر.

إن المطلوب اليوم ليس المزيد من التبريرات أو التعميمات أو التوظيف السياسي للحوادث الفردية، بل إعادة الاعتبار لفكرة السودان الواحد، القائم على التنوع، والعدالة، والمواطنة المتساوية، واحترام سيادة القانون، دون أي تمييز على أساس الدين أو العرق أو الجغرافيا.

وفي الختام، فإن إعادة بناء السودان تبدأ من الداخل، من تفكيك بنية خطاب الكراهية، ومساءلة النخب التي تساهم في إنتاجه أو تبريره، والعمل على تأسيس وعي وطني جديد يرى في الإنسان قيمة بحد ذاته، لا انتماءً فرعياً، ويؤمن بأن الوطن لا يُختزل في منطقة أو قبيلة أو دين، بل يتسع لجميع أبنائه دون استثناء.

إن مستقبل السودان مرهون بقدرتنا على الانتقال من منطق الاتهام والتقسيم، إلى منطق الدولة العادلة، التي تحمي الجميع بالقانون، وتجمعهم بالمواطنة، وتصون كرامتهم دون تمييز أو إقصاء.

Exit mobile version