أخر الأخبار

تعقيب على قراءة الدكتور عبدالله محمد علي بلال

المعز مجذوب خليفة

ما تفضل به الدكتور عبدالله محمد علي بلال ليس مجرد قراءة اقتصادية عابرة، وإنما جرس إنذار وطني يستحق الوقوف عنده بجدية ومسؤولية. فالدول لا تنهار بسبب الحروب وحدها، وإنما عندما تفشل النخب السياسية والإدارية في تحويل الانتصارات العسكرية إلى مشاريع وطنية للتعافي والبناء والاستقرار.

لقد خاض السودان واحدة من أعقد الحروب في تاريخه الحديث، وتمكن الجيش السوداني والقوات المساندة له من الحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع سقوطها في قبضة مشروع كان يستهدف تفكيك السودان وإعادة تشكيله وفق أجندات خارجية. غير أن الانتصار العسكري، مهما كان عظيماً، يظل ناقصاً إذا لم يعقبه انتصار اقتصادي وسياسي واجتماعي يعيد للمواطن كرامته وللدولة هيبتها.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه القيادة السودانية اليوم ليس كسب المعارك في الميدان، بل كسب معركة الاقتصاد، ومعركة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، ومعركة الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل.

السودان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، وإنما إلى رؤية استراتيجية واضحة المعالم تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية:

أولاً: فرض هيبة الدولة على الاقتصاد عبر الولاية الكاملة على المال العام، وإغلاق منافذ الهدر والتجنيب والاحتكار، وتوجيه الموارد نحو الإنتاج والتنمية والخدمات الأساسية.

ثانياً: إطلاق مشروع وطني شامل لإعادة الإعمار والتنمية يستفيد من موارد السودان الضخمة في الزراعة والتعدين والثروة الحيوانية والطاقة، بحيث تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى فرصة تاريخية للنهوض الوطني.

ثالثاً: بناء توافق وطني واسع يؤسس لدولة المؤسسات والقانون والعدالة، لأن الاستقرار السياسي هو المدخل الحقيقي لأي إصلاح اقتصادي مستدام.

إن الشعب السوداني الذي صبر على ويلات الحرب والنزوح والجوع والضائقة المعيشية يستحق خطاباً رسمياً صريحاً يضع الحقائق أمامه بشفافية كاملة، ويشرح له حجم التحديات وخطة الدولة لمعالجتها، فالشعوب تستطيع تحمل المصاعب عندما تشعر أن قيادتها تتحدث معها بصدق وتعمل من أجلها بإخلاص.

كما أن المرحلة تتطلب الاستفادة من الكفاءات الوطنية والخبرات السودانية داخل البلاد وخارجها، بعيداً عن دوائر المجاملة والمحاصصات الضيقة، لأن بناء الدول لا يتم إلا بأهل العلم والخبرة والرؤية.

ويبقى التاريخ شاهداً لا يجامل أحداً. فالأمم لا تتذكر عدد السنوات التي قضاها الحكام في السلطة، وإنما تتذكر ماذا أنجزوا لشعوبهم، وكيف تعاملوا مع اللحظات الفاصلة في حياة أوطانهم.

إن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تتحول التحديات الراهنة إلى نقطة انطلاق نحو دولة قوية مستقرة مزدهرة، وإما أن تستمر حالة إدارة الأزمات التي أنهكت الوطن والمواطن.

ولذلك فإن المطلوب الآن هو قرارات شجاعة، وإصلاحات عميقة، ورؤية وطنية جامعة، تضع السودان فوق المصالح الضيقة، وتفتح الطريق أمام مستقبل يليق بتضحيات شعبه وصبره وصموده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحدى عشر + سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى