
بقلم : كابتن عادل المفتي
قد أثبتت التجارب الأخيرة أن الطريق الذي يسلكه المجتمع الدولي ممثلة في الخماسية والمنظمات الاقليمية والدولية و بعض القوى السياسية عبر المنابر الخارجية وصل إلى طريق مسدود. فلقاءات أديس أبابا الأخيرة وغيرها كشفت عمق الانقسامات، وحالة الإقصاء المتبادل، وغياب المشروع الوطني الجامع. كما أن محاولة تقديم قوى مرتبطة سياسياً بأطراف مليشيا عسكرية في النزاع القائم باعتبارها جزءاً من الحل زادت المشهد تعقيداً وأفقدت تلك المبادرات الكثير من المصداقية. واليوم بات واضحاً أن السودان لن ينقذه الخارج، ولن تبنيه الأجندات الأجنبية، بل سينقذه السودانيون أنفسهم عبر حوار وطني شامل داخل السودان، يضع الوطن أولاً ويغلق الباب أمام كل المشاريع التي فرقت أبناءه وأطال مدة أزمته .
قال تعالى : ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ) صدق الله العظيم .
وللتاريخ كانت دعوة الآلية الوطنية سابقا ودعوة الوطنيين من قبلنا ومن بعدنا ودعوة الرئيس البرهان الأخيرة للحوار السوداني السوداني داخل السودان نذكر بأن في تاريخ الأمم لحظات لا تحتمل التردد، ولحظات يصبح فيها الوقوف في المنتصف نوعاً من الهروب من المسؤولية. والسودان اليوم يعيش واحدة من تلك اللحظات الفاصلة.
بعد كل هذا الدم والدموع والخراب والنزوح والانهيار الاقتصادي، لم يعد أمام السودانيين سوى خيار واحد: أن يجلسوا معاً ويتحدثوا معاً ويتفقوا معاً على مستقبل وطنهم داخل السودان .
لقد جُرِّبت كل الطرق الأخرى.
جُرِّبت المعارك فلم تنتج إلا المزيد من المآسي.
وجُرِّبت التدخلات الخارجية فلم تنتج إلا مزيداً من التعقيد.
وجُرِّبت الأجندات الشخصية والحزبية الضيقة والإقصاء فلم تنتج إلا الانقسام.
أما السودان فقد ظل هو الخاسر الأكبر.
ولهذا فإن الحوار السوداني السوداني داخل السودان يجب أن يكون الحوار الحاسم الذي يفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد، ويضع نهاية لعقود طويلة من الصراعات السياسية والمسلحة.
حوار سوداني خالص.
بأجندة سودانية خالصة.
على أرض سودانية.
وبإرادة سودانية لا تخضع لأي ضغوط أو إملاءات أو حسابات خارجية.
لن نخرج من الحوار وإلا ونحن متفقين ومتوافقين .
لقد حان الوقت لكي يستعيد السودانيون قرارهم الوطني المستقل، وأن يقولوا للعالم كله إن مستقبل السودان لن يُكتب في العواصم الأجنبية، بل سيُكتب في الخرطوم وبورتسودان ومدني والفاشر والأبيض وكسلا وعطبرة ونيالا وكل شبر من أرض السودان.
إن هذا الوطن أكبر من الأحزاب.
وأكبر من الأشخاص.
وأكبر من الطموحات الفردية.
وأكبر من الحسابات الضيقة.
فالأوطان لا تُبنى على المصالح الشخصية، وإنما تُبنى على التضحيات والرؤية الوطنية والإيمان بالمستقبل.
واليوم يجب أن تكون الرسالة واضحة: من أراد أن يكون جزءاً من مشروع السلام وبناء الدولة فأهلاً به، ومن اختار أن يبقى أسيراً لأجندته الخاصة أو رهاناته الخارجية أو مصالحه الضيقة، فلن يكون قادراً على إيقاف مسيرة وطن قرر أن ينهض من تحت الركام.
إن السودان لا يمكن أن يبقى رهينة للخلافات السياسية إلى الأبد، ولا يمكن أن تظل ملايين الأسر السودانية تدفع ثمن صراعات النخب عاماً بعد عام.
لقد آن الأوان لأن ينتصر الوطن على المصالح.
وأن ينتصر الشعب على الانقسامات.
وأن تنتصر الدولة على الفوضى.
إن أول أسس الدولة الجديدة التي يحلم بها السودانيون هي وجود جيش قومي مهني واحد، جيش لكل السودانيين، لا ينتمي إلا للوطن ولا يحمل إلا رايته.
فلا دولة مع تعدد الجيوش.
ولا سيادة مع تعدد مراكز القوة.
ولا ديمقراطية مع السلاح خارج إطار الدولة.
ويجب أن يكون الاتفاق الوطني واضحاً وحاسماً بأن المؤسسة العسكرية الشرعية القوات المسلحة السودانية هي الحارس الأمين للوطن والدستور وحدوده وسيادته، وأن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تؤدي إلى وجود مؤسسة عسكرية وطنية قوية واحدة تحت راية السودان الواحدة.
كما أن الحوار الوطني يجب أن يفتح الباب أمام مصالحة وطنية واسعة وعفو سياسي مسؤول تجاه القوى والشخصيات التي لم تشارك في الحرب، ولم ترتكب جرما في حق الشعب أو فساد مشهود عليه لأن بناء المستقبل يتطلب جمع الصف الوطني لا تمزيقه.
وفي المقابل، يجب أن تكون المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار، وأن يكون الاحتكام إلى العمل السياسي السلمي والديمقراطي هو الطريق الوحيد للتنافس على السلطة.
إن السودان يحتاج اليوم إلى حكومة مدنية انتقالية قوية وكفؤة تقود مرحلة إعادة الإعمار واستعادة مؤسسات الدولة وعودة النازحين واللاجئين وإحياء الاقتصاد الوطني.
كما يحتاج إلى مجلس تشريعي انتقالي يعبر عن التنوع السوداني ويقود الإعداد لمؤتمر دستوري شامل يؤسس لدولة حديثة تقوم على العدالة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون.
ويحتاج كذلك بعد الإجماع عليه إلى نظام فدرالي حقيقي يمنح الأقاليم حقوقها في التنمية والإدارة والمشاركة في القرار الوطني، ويعالج جذور التهميش والاختلالات التاريخية التي عانى منها السودان لعقود طويلة.
ويحتاج أيضاً إلى قانون أحزاب جديد يفرز أحزاباً وطنية قوية قائمة على البرامج والكفاءة والمؤسسية، لا على الولاءات الشخصية والتمكين البغيض والشعارات العابرة.
إن السودان الذي نريده ليس سودان الحرب والانقسام.
ولا سودان المعسكرات والمحاور.
ولا سودان التبعية والارتهان.
بل سودان الدولة القوية والعادلة.
سودان المؤسسات والقانون.
سودان الإنسان المناسب في المكان المناسب وليس سودان المحاصصات .
سودان التنمية والإنتاج.
سودان الحرية والديمقراطية والعدالة والاستقرار.
سودان يرفع رأسه بين الأمم كما كان دائماً.
إن هذه الحرب مهما كانت قاسية لن تكون نهاية السودان.
بل يمكن أن تكون بداية ميلاد جديد إذا امتلك السودانيون الشجاعة الكافية للجلوس معاً والتفكير بعقل الدولة لا بعقل المعركة والإقصاء .
وعندها فقط سيكتشف الجميع أن السودان كان أكبر من خلافاتهم، وأكبر من أحزابهم، وأكبر من مشاريعهم الخاصة.
وسيكتشفون أن الوطن الذي ظن البعض أنه انكسر، كان في الحقيقة يستعد للنهوض من جديد.
أما الذين يراهنون على استمرار الانقسام أو على إضعاف الدولة أو على تعطيل إرادة السودانيين، فسيكتشفون أن الشعوب قد تتعثر لكنها لا تموت، وأن الأمم العريقة قد تمرض لكنها لا تسقط.
وسيظل السودان باقياً.
قوياً بوحدة شعبه.
عزيزاً بسيادته.
راسخاً بمؤسساته.
ومنتصراً بإرادة أبنائه.
فالسودان أكبر من الحرب التي فرضت عليه .
وأكبر من الأزمات العابرة .
وأكبر من كل من حاولوا اختطاف مستقبله.
والكلمة الأخيرة يجب أن تكون للسودانيين وحدهم.
هم من يقررون.
وهم من يتفقون.
وهم من يبنون
وهم من يصنعون فجر السودان الجديد
بحوار سوداني سوداني داخل السودان شاء من شاء وأبي من أبي .
الله الوطن
حرية سلام وعدالة والقرار قرار الشعب
كابتن طيار / عادل المفتي
الجمعة 5 يونيو ٢٠٢٦ م



