
..
قبل زمن بعيد شاهد البعض الفيلم التسجيلي ( اللعب بالديمقراطية) للمخرجة عرب لطفي الذي عرض بنقابة الصحفيين المصريين مرات عدة من خلال منتدى الراحل ( محمد عودة ) .
يطرح الفيلم أزمة مارس ٥٢ المصرية والمعروفة بأزمة الديمقراطية ، هذا التاريخ الذي يعد مفترق الطرق بين خيارين : الاعلان عن حكم عسكري شمولي أو الجنوح للحكم البرلماني الديمقراطي الجدلي .
ما يهمني هنا ، هو كيف نرى هذه الأحداث التاريخية مقرونة مع أزمتنا السودانية في أجواء تطغى عليها الخلافات داخل الكتلة الواحدة وتحديدا” أعني الكتلة الديمقراطية التي كنا نظن أن تكون نواة لجمع الصف الوطني ولكن بشكل التباين الذي لم يبدأ بمؤتمر أديس أبابا الحالي بل منذ مؤتمر قوى الحرية والتغيير ـ الكتلة الديموقراطية التنظيمي الثاني الذي أنهى أعماله في مدينة بورتسودان في أبريل 2026. وأقر النظام الأساسي والرؤية السياسية ، مع تشكيل لجنة عليا لمعالجة وتأجيل إجازة الهيكل التنظيمي ولم تنعقد اللجنة المكلفة حتى الآن ولم يخرج المؤتمر بشئ سوى الخلافات التي برزت قبله في جدل المشاركة في مؤتمر برلين الدولي من أجل السودان الذي عُقد منتصف أبريل 2026 وبحسب ما أعلن أنه مبادرة دبلوماسية إغاثية تستضيفها ألمانيا غير أنه تحول إلى فعالية سياسية مختلف عليها ، ذات المواقف والتصريحات المتضاربة تجددت هذه الأيام حيث إنتظمت مجموعة القوى السياسية السودانية المتناقضة في إجتماعات أشيع عنها تشاورية بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا تستمر خلال الفترة من ٣ الي ٥ يونيو الجاري والهدف المعلن محاولة من الخماسية لدفع الجهود الرامية الي إنهاء الحرب وإطلاق عملية سياسية جديدة لكن الحقيقة المخفية أن هذه الاجتماعات التي تنظمها الآلية الخماسية ( الامم المتحدة ، الاتحاد الأوربي والاتحاد الافريقي والجامعة العربية ومنظمة ايغاد ) لن تحقق أي إختراق ولو بصورة محدودة في جدارة الأزمة السودانية لسبب بسيط النوايا غير المعلنة هى التي تعطي مؤشر لما يمكن أن يسهم في إعادة التطبيع مع المليشيا والتموضع للقوى السياسية التي تشاركها بل الأخطر من ذلك ، المحاولة الخبيثة التي تهدف إلي إحداث وقائع غير المؤكدة عن الناس ، وهى تورط نظام أبوظبي في كل الجرائم والخراب الذي تم في السودان ، وان تستمر عملية الإدراك لتبرئة الامارات من كل الانتهاكات التي تمت في الإطار الزمني لحرب ١٥ ابريل ٢٠٢٣م بالسودان وهو الواقع الذي يصعب تمريره على أهل السودان والتعامل معه ما يظهر في حجم الانقسامات الحادة بين القوى السياسية وتغييب كثير من الأطراف الفاعلة وتهميش الجيش والحكومة المدنية ، إمعانا” في تمكين العقلية الاقصائية رغم أن المشاركة تفتقر لأي تفويض شعبي وسياسي حقيقي نابع من نبض الجماهير وقوى المجتمع السوداني الحية .
إن ما جرى في برلين ويتم الآن في أديس ابابا وما فعلته الحرب التي فتكت بالسودانيين تجمعهم عناصر متداخلة بتعدد الطبقات والأوجه ودون الإخلال بالتحليل الذي أراه موضوعيا” و غير منحاز أعتقد انها أفعال لا تخلو من نظرية المؤامرة وتفاعلاتها التاريخية ، قد يستمر الخلاف في توصيف المؤامرة الدولية ضد السودان فمنذ اندلاع الحرب عقدت عشرات الاجتماعات والمؤتمرات واللقاءات التي تشرف عليها ذات الجهات والمنظمات لكنها ظلت تدور في ذات الحلقة المفرغة ، وبقيت في معظمها مجرد منابر للخطابات السياسية والدبلوماسية ومنصات للتصريحات الباهتة وإنفاق المال من دون تأثير على الواقع المأزوم ..
تتغذى هذه الحلقة الشريرة من شريان واحد وتعيش على عوامل جوهرية أبرزها أزمة التمثيل والشرعية والاقصاء فلا يمكن أن تكون قوى سياسية تعيش حالة انقسامات وتعاني من صراعات حادة وتفتقر إلى التفويض الشعبي الحقيقي أن تنجز حلا” مرضيا” للأغلبية من السودانيين ، فهى تتحرك تحت الظلام كي تعيش على الخارطة السياسية السودانية ولا تبحث عن حلا” شاملا” للأزمة ..
أرى ما يحدث ما هو إلا مزيداً” من الإضطراب والالتباس وتعقيد المشهد وبالتالي ستتسع رقعة المطالبة بوضع إستثنائي جديد سمه ما شئت ، إنتخابات مبكرة أو اللجوء للقوة العسكرية ، وذلك لإنجاح ما تبقى من الفترة الانتقالية لأن الوضع الذي يقود الي الاستقرار بعد الحرب لم يعد متبلورا” كما هى التجارب الراهنة أو تلك التي يعرفها الجميع وما نتلمسه الآن من صراعات وانسداد للأفق السياسي ، وبعض الارهاصات المتناثرة هنا وهناك لا تبشر الا بضرورة الإنتهاء من حالة الفوضى والتأسيس لحدث وطني عظيم الأثر حاليا” ومستقبلا” .. حدث وطني يفوق كل التوقعات الداخلية والخارجية لأن طموحات الشعب السوداني اكبر من الهرجلة والعبث الذي نعيشه اليوم ، سيما أن كثير من الرياح منذ عزل الرئيس عمر البشير في 11 أبريل 2019م ، لم تات الرياح بما تشتهيه السفن لأسباب بعضها خارجي وأخرى داخلية غير أن ميزة التاريخ أنه مع التأكيد على الإطار التاريخي للأحداث والتفاعل لا يتوقف ، والعين تنظر بأثر رجعي لكشف الثغرات في محاولة عدم التكرار أو المضي قدما” في الأخطاء ..
ولا يمكن إغفال كل طموحات الشعب والحركة السياسية الوطنية المخلصة التي أتت محملة بمسؤوليات كبيرة ، فالسودان رغم فشل النخب ولكن لديه ميراث وتراث سياسي لا يستهان به كان يمكن البناء عليه وتوسيع رقعة الإصلاح ولكن أصحاب الخيال الضيق إختاروا بتره تماما” في عملية إقصاء وتهميش نحن اليوم نحصد تبعات منظومة الحرية والتغيير و(٤) طويلة وهلمجرا..
اخيرا” ليس مستغربا” أن ينظر الجيش الي هذه الهرجلة وعدم الثقة وتزايد الشكوك بين القوى السياسية وهو يؤمن بضرورة تفعيل هياكل الدولة المدنية والديمقراطية ولكن لا يمكن أن تكون بهذه الطريقة التي إذا أسقطنا معاني ومفاهيم الديمقراطية على المسميات الحالية وما يدعون أنصارها نجدهم ابعد منها ولا يؤمنون بنجاحها أصلا” .. يجيدون اسلوب إنتاج الأزمات بإستمرار معادلة إما نحن أو هم ، وبهذا المفهوم أي حديث عن تسوية شاملة ومشروع وطني جامع ومفضل للأغلبية مجرد وهم ، واي مبادرة سياسية ماهي الا ساحة جديدة للصراع إذا بقى إقصاء الآخر شرطا” للحوار ، وتظل ، لا للحرب كلمة حق اريد بها باطلا” ـ بل الحرب بالنسبة لمجموعة سياسية كبيرة وسيلة التكسب السياسي والبقاء في المشهد ..



