كلام سياسة الصافي سالم
في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وتزاحمت فيه الروايات، تبقى الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل التأويل هي دماء الشهداء التي سُكبت دفاعًا عن الأرض والكرامة والإنسان.
دار حامد لم تكن في حاجة إلى ممثلين يروون بطولاتها، ولا إلى من ينسج لها قصص المجد من الخيال، فهناك رجال رحلوا تاركين خلفهم سيرةً كتبتها الدماء قبل الأقلام، وحفرتها التضحيات في وجدان السودان كله.
لقد وقف أبناء دار حامد في مواجهة العاصفة حين تراجع كثيرون، وثبتوا في مواقعهم وهم يدركون أن الطريق إلى الخلود يمر عبر بوابة التضحية. واجهوا الموت بقلوب مؤمنة، وكسروا شوكة آلة البطش والقتل، وسطروا مواقف ستظل تُروى جيلاً بعد جيل.
ما أعظم أن تتحول منطقة إلى رمز، وما أوجع أن يكون ثمن ذلك الرمز قوافل من الشهداء الذين ارتقوا وهم يحملون أحلام أهلهم وأماني وطنهم. لقد أعاد شهداء دار حامد إلى الذاكرة السودانية صور البطولة النادرة، وأثبتوا أن معادن الرجال الحقيقية تظهر في ساعات المحنة الكبرى.واليوم، حين يذكر الناس دار حامد، فإنهم لا يذكرون مجرد بقعة جغرافية، بل يستحضرون قصة شعبٍ صابر، وأمهاتٍ قدمن فلذات الأكباد فداءً، وآباءً احتسبوا أبناءهم عند الله، وشبابًا اختاروا الوقوف بشرف بدل الانكسار.في محراب الشهادة لا مكان للادعاء، فالشهداء لا يحتاجون إلى من يزين سيرتهم، لأن دماءهم أبلغ من كل خطاب، وتضحياتهم أصدق من كل رواية. لقد أصبحت دار حامد دارًا لكل السودان، وأصبح شهداؤها شهداء وطن بأكمله.رحم الله الشهداء رحمة واسعة، وجعل بطولاتهم نورًا يهدي الأجيال القادمة إلى معاني الصبر والثبات والفداء، وألهم أهلهم ومحبيهم الصبر والسلوان.فبعض الأوطان تُبنى بالحجارة، أما دار حامد فقد بنت مجدها بدماء أبنائها.
