هل ستكون حكومة ما بعد الحرب بداية لبناء سودان جديد، أم مجرد إعادة تدوير لأزمات الماضي بصورة مختلفة؟

بقلم :
المعز مجذوب خليفة

ينتظر الشعب السوداني الكريم، بكل صبر وأمل وترقب، لحظة الإعلان الحقيقي عن حكومة ما بعد الحرب، لا باعتبارها مجرد تشكيل وزاري عابر، أو عملية إحلال وإبدال للأسماء والمقاعد، وإنما باعتبارها بداية فعلية لمرحلة تاريخية جديدة، تؤسس لسودان مختلف في الفكرة، والإدارة، وطبيعة الدولة نفسها.

لقد أرهقت الحرب السودانيين بصورة لم يعرفها الوطن من قبل، فالدولة تعرضت لاختبار وجودي قاسٍ، والمجتمع أصيب بتشظٍ اجتماعي ونفسي واقتصادي بالغ الخطورة، فيما انهارت كثير من مؤسسات الخدمة العامة، وتبدلت أولويات الناس من الحديث عن السياسة إلى البحث عن الأمان والغذاء والدواء والاستقرار.

ومن هنا، فإن أي حديث عن حكومة ما بعد الحرب لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية المحاصصات السياسية الضيقة، أو إعادة إنتاج ذات النخب التي أدمنت إدارة الأزمات دون القدرة على صناعة الحلول، بل يجب أن يُفهم باعتباره مشروعًا وطنيًا لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة.

السودانيون اليوم لا ينتظرون حكومة “ترضيات”، وإنما ينتظرون حكومة تمتلك مشروعًا استراتيجيًا واضحًا يعالج جذور الأزمة السودانية، لا مظاهرها فقط، لأن الحرب الأخيرة كشفت بوضوح حجم الخلل البنيوي داخل الدولة السودانية، سواء على مستوى الإدارة، أو الاقتصاد، أو العدالة الاجتماعية، أو حتى طبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم.

لقد أثبتت هذه الحرب أن السودان لا يمكن أن يُدار بالعقلية القديمة ذاتها، ولا بذات أدوات الخطاب السياسي التقليدي، لأن الدولة التي خرجت من رماد المعركة ليست هي الدولة التي دخلتها. هنالك متغيرات اجتماعية وأمنية واقتصادية جديدة فرضت واقعًا جديدًا يتطلب عقلًا جديدًا في الإدارة والتخطيط.

إن التحدي الأكبر أمام حكومة ما بعد الحرب لن يكون فقط في إعادة الإعمار المادي، وإنما في إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وهي معركة أكثر تعقيدًا من إعادة بناء الطرق والجسور والمطارات.

فالمواطن السوداني الذي فقد منزله أو مصدر رزقه أو أحد أفراد أسرته، لن تقنعه الشعارات السياسية ولا الخطب الحماسية، بقدر ما يبحث عن دولة تحترم إنسانيته، وتعيد إليه الشعور بالأمان والانتماء والعدالة.

ومن الناحية الاستراتيجية، فإن الحكومة القادمة ستكون أمام ملفات شديدة الحساسية والتعقيد، على رأسها:
إعادة بناء المؤسسة المدنية، وإصلاح الاقتصاد الوطني، ومعالجة آثار النزوح واللجوء، وإعادة دمج المجتمعات المتأثرة بالحرب، إضافة إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي السوداني بصورة أكثر شمولًا وواقعية.

كما أن أي حكومة قادمة ستكون مطالبة بإدارة علاقات السودان الخارجية بعقلية جديدة تقوم على المصالح الوطنية العليا، بعيدًا عن سياسة المحاور والارتهان الخارجي، لأن الحرب الأخيرة أثبتت أن ضعف القرار الوطني يفتح أبواب البلاد أمام التدخلات الإقليمية والدولية.

ومن القضايا المهمة كذلك، أن حكومة ما بعد الحرب يجب أن تعكس التنوع السوداني الحقيقي، لا على مستوى التمثيل الشكلي فقط، وإنما على مستوى صناعة القرار نفسه، لأن أزمة السودان التاريخية كانت دائمًا أزمة شعور قطاعات واسعة بالتهميش السياسي والاقتصادي والثقافي.

إن الشعب السوداني اليوم أكثر وعيًا من أي وقت مضى، وأكثر قدرة على التمييز بين الخطاب الحقيقي والخطاب الاستهلاكي، ولذلك فإن أي حكومة لا تمتلك رؤية واضحة، وكفاءة حقيقية، وإرادة سياسية للإصلاح، ستفقد ثقة الشارع سريعًا مهما كانت الشعارات التي ترفعها.

إن المطلوب الآن ليس مجرد حكومة تدير مرحلة، بل قيادة وطنية تؤسس لمستقبل، وتنتقل بالسودان من مربع الحرب والانقسام إلى فضاء الدولة المستقرة القادرة على النهوض.

ولهذا، فإن الشعب السوداني الكريم لا ينتظر إعلان أسماء الوزراء فقط، بل ينتظر الإجابة عن السؤال الأهم:
هل ستكون حكومة ما بعد الحرب بداية لبناء سودان جديد، أم مجرد إعادة تدوير لأزمات الماضي بصورة مختلفة؟

ذلك هو السؤال الذي ستجيب عليه الأيام القادمة .

Exit mobile version