السودان الذي لا تراه مصر
تعقيب علي مقال الدكتورة أماني الطويل
بقلم : حاتم أبوسن
*قانوني سوداني مقيم بواشنطن
قرأت مقال للدكتورة أماني الطويل تناولت فيه العلاقات المصرية السودانية، وربما أكثر ما استوقفني في المقال ليس دفاعها عن مصر، فذلك حق مشروع، بل الطريقة التي قُدِّمت بها التجربة المصرية بوصفها النموذج الأقرب إلى النضج التاريخي والسياسي، مقابل تقديم السودان بصورة الدولة التي ما تزال عالقة في الانتماءات الأولية وتبحث عن اكتمالها الوطني. وهنا بالتحديد تكمن المفارقة الفكرية العميقة في المقال، لأن النص الذي بدأ برفض الشوفينية انتهى، دون قصد ربما، إلى إعادة إنتاج شكل ناعم منها.
ثمة افتراض ضمني في المقال يقول إن الانتقال من القبيلة والبنية الاجتماعية التقليدية إلى الدولة المركزية الصلبة هو المسار الطبيعي الأعلى للتاريخ، وكأن المجتمعات لا تكتمل إلا حين تذوب بالكامل داخل مؤسسات الدولة الحديثة. غير أن هذا التصور نفسه يحتاج إلى مراجعة عميقة، لأن التجربة الإنسانية لم تثبت أن المركزية الصلبة تعني دائما مجتمعا أكثر صحة أو أكثر تماسكا أو أكثر قدرة على النجاة.
السودان لم يبق واقفا طوال عقود الحروب والانهيارات بسبب الدولة المركزية، بل رغم فشلها. ما حفظ السودان من التفكك الكامل لم يكن البيروقراطية ولا القبضة المؤسسية، وإنما المجتمع نفسه. القبيلة، الأسرة الممتدة، شبكات التكافل، الأعراف المحلية، الروابط الاجتماعية العميقة، كل هذه الأشياء التي ينظر إليها بعض الأكاديميين باعتبارها بقايا ما قبل الدولة، هي نفسها التي تحولت في السودان إلى منظومة نجاة تاريخية.
ولو أن ما جرى في السودان من حرب أهلية وانهيار اقتصادي ونزوح وتدخلات إقليمية ودولية حدث في كثير من الدول التي تبدو أكثر تماسكا على الورق، لانتهى الأمر بانفجار اجتماعي شامل وربما بانهيار الكيان نفسه. السودان صمد لأن المجتمع السوداني يملك قدرة نادرة على إعادة إنتاج التوازن من داخل النسيج الاجتماعي نفسه، لا من فوقه عبر السلطة المركزية فقط.
ومن هنا تبدو المقارنة التي تضع مصر كنموذج اكتمال والسودان كنموذج تعثر مقارنة تحتاج إلى قدر أكبر من التواضع المعرفي. فالسودان ليس مجتمعا ناقصا ينتظر أن يصبح نسخة أخرى من مصر، كما أن مصر ليست الصيغة النهائية التي ينبغي أن تتكرر في الجميع.
لكل مجتمع عبقريته الخاصة، ولكل شعب طريقته المختلفة في تنظيم الحياة والسلطة والعلاقات. وإذا كانت مصر قد بنت عبر قرون طويلة دولة مركزية قوية ومتماسكة، فإن السودان بنى مجتمعا شديد الحيوية والمرونة والقدرة على الاحتمال. هذه ليست نقطة ضعف بالضرورة، بل قد تكون أحد أسرار البقاء السوداني نفسه.
ثم إن الحديث عن أزمة الهوية السودانية باعتبارها أحد أسباب الحساسية تجاه مصر يتضمن قدرا من التبسيط وربما قدرا من الاستعلاء غير المقصود. السودان لا يعيش أزمة نقص أمام مصر، بل يعيش أزمة حكم مزمنة وتدخلا خارجيا مستمرا عطّل تشكل مشروعه الوطني الطبيعي. والسودانيون لم يكونوا يوما شعبا فاقدا للثقة بنفسه أو بحضارته أو بتاريخه، بل ربما كانت مشكلتهم العكس تماما، أي الإيمان العميق بأن السودان يستحق أكثر بكثير مما آل إليه واقعه السياسي.
كما أن تصوير القبيلة بوصفها نقيضا للدولة الحديثة يحتاج إلى مراجعة. ففي السودان لعبت البنى الاجتماعية التقليدية دورا تاريخيا في حفظ التوازن الأهلي وفي إنتاج أشكال من التضامن يصعب على الدولة الحديثة نفسها أن توفرها. وما يسميه البعض انقساما قبليا هو في أحيان كثيرة شبكة حماية اجتماعية وأخلاقية واقتصادية معقدة حافظت على المجتمع حين فشلت النخب والدولة معا.
المفارقة أن كثيرا من المجتمعات الحديثة التي نجحت في بناء دولة قوية خسرت في المقابل دفئا اجتماعيا وإنسانيا عميقا، بينما حافظ السودان، رغم كل أزماته، على طاقة اجتماعية نادرة وعلى قدرة مذهلة على الاحتضان والتكافل والصبر الجماعي.
ثم إن ثمة جانبا آخر يتجنب كثيرون الحديث عنه بصراحة، وهو الفارق النفسي بين المجتمعين في علاقتهما بالسلطة وبالخوف وبفكرة المواجهة. فالسوداني، في المتوسط، أكثر ميلا للمغامرة وأكثر استعدادا لتحمل القسوة وأكثر قدرة على التكيف مع الانهيار. وربما لهذا السبب تحديدا بقي السودان عصيا على الانكسار الكامل رغم كل ما تعرض له.
هذه ليست محاولة لتفوق أخلاقي أو قومي، بل قراءة لخصائص اجتماعية حقيقية. فالشعوب لا تُقاس فقط بحجم مؤسساتها أو ثقلها الإعلامي، وإنما أيضا بقدرتها على الاحتمال وعلى النهوض بعد الضربات الكبرى.
ولهذا فإن أي خطاب مصري يحمل نبرة فوقية تجاه السودان يتجاهل حقيقة مهمة، وهي أن السودان ليس كيانا ضعيفا من الداخل، بل كيانا مكبلا سياسيا. وإذا تحرر هذا البلد من دوائر التدخل الخارجي ومن فشل النخب ومن الاقتصاد الطفيلي والحروب المصنوعة، فإن إمكاناته البشرية والزراعية والجغرافية والاجتماعية قادرة على تحويله إلى واحدة من أكثر دول المنطقة تأثيرا.
السودان ليس نسخة فاشلة من دولة أخرى، وليس تلميذا ينتظر شهادة اعتماد حضاري من أحد. إنه تجربة مختلفة تماما، لها مسارها الخاص وتعقيدها الخاص وحتى عبقريتها الخاصة.
أما مصر، فهي بلا شك دولة ذات ثقل حضاري وتاريخي وإنساني عظيم، ولا يمكن لأي قراءة جادة أن تنكر عمق حضورها الثقافي أو تأثيرها في المجال العربي والأفريقي. لكن الفرق كبير بين الاعتراف بالثقل وبين تحويل هذا الثقل إلى معيار ضمني يُقاس به الآخرون.
فالكتلة الحضارية الكبيرة لا تمنح أصحابها حق النظر إلى بقية الشعوب باعتبارها مراحل أقل اكتمالا في السلم التاريخي. ومهما كان تأثير مصر عميقا، فإن السودان أيضا يملك ما يلهم، وربما يملك في هذه اللحظة التاريخية بالذات درسا مختلفا تماما عن دروس الدولة المركزية الصلبة، وهو درس الصمود المجتمعي أمام محاولات التمزيق.
ولعل أكبر خطأ في قراءة السودان هو النظر إليه فقط من زاوية الفوضى السياسية، لأن ما يبدو فوضى على السطح يخفي تحته مجتمعا يملك طاقة حياة استثنائية. والسودانيون، رغم الإنهاك والحروب والهجرة والانهيارات، ما يزالون قادرين على التماسك وعلى إعادة إنتاج الأمل بطريقة تكاد تكون غير مفهومة لمن ينظر فقط بأدوات التحليل التقليدي.
والحقيقة أن مصر، إذا أرادت أن تنظر إلى السودان بعين أكثر عمقا وأقل معيارية، ستكتشف أنها لا تقف أمام عبء جغرافي أو حالة متعثرة تحتاج إلى وصاية، بل أمام إضافة استراتيجية وحضارية وإنسانية هائلة. فالسودان ليس هامشا لمصر، بل عمق طبيعي لها، تماما كما أن مصر تمثل للسودان امتدادا تاريخيا وثقافيا لا يمكن إنكاره.
وإذا كانت مصر تملك ثقل الدولة التاريخية المركزية، فإن السودان يملك اتساع الروح والموارد والقدرة الاجتماعية الخام والطاقة البشرية التي لم تُستثمر بعد. والعلاقة الصحية بين البلدين لا ينبغي أن تقوم على فكرة النموذج والمتلقي، ولا على معادلة الأستاذ والتلميذ، بل على فهم أعمق مفاده أن كلا البلدين يملك ما ينقص الآخر.
مصر لا تضعف بسودان قوي، بل تزداد قوة. والسودان لا يحتاج إلى معركة هوية مع مصر، بل إلى شراكة ناضجة معها تقوم على الاحترام المتبادل والإدراك الحقيقي لحجم الإمكانات المشتركة بين شعبين لو التقيا خارج عقد التفوق والحساسيات التاريخية لأنتجا واحدة من أهم الكتل الحضارية والاقتصادية والإنسانية في المنطقة بأسرها.
وربما آن الأوان لأن يتوقف الطرفان عن سؤال من يقود من، و لابد من طرح سؤال أكثر نضجا وواقعية: كيف يمكن لوادي النيل أن يستعيد معناه الحضاري الكبير بوصفه فضاء تكامل لا فضاء تنافس واستنزاف.
