ديوان الزكاة يعيد هندسة دوره في اقتصاد الحرب بالسودان

“127% من الأداء وسط الانهيار… ”

تحول المكلفين إلى مستحقين: تغير جذري في البنية الاجتماعية

فقدان 80% من البنية التشغيلية… وإعادة توزيع قسرية للموارد البشرية

الخرطوم : حفية نورالدائم

تعيش المؤسسات الاقتصادية والمالية في السودان واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا منذ عقود، في ظل حرب مستمرة منذ عام 2023 أعادت تشكيل البنية الاقتصادية للدولة بصورة جذرية، وأدت إلى انهيار واسع في قطاعات الإنتاج والخدمات، وتراجع حاد في الدورة الاقتصادية، وخروج قطاعات استراتيجية كاملة من دائرة النشاط، وعلى رأسها الزراعة والصناعة والرعي والتعدين.
وتشير تقديرات اقتصادية غير رسمية إلى أن النشاط الاقتصادي في بعض الولايات تراجع بما يتراوح بين 60% و80%، مع فقدان الدولة لجزء كبير من مواردها المرتبطة بالمشاريع الإنتاجية الكبرى مثل مصانع السكر، والمشاريع الزراعية المروية، وشبكات الثروة الحيوانية، إضافة إلى توقف شبه كامل في سلاسل الإمداد والتصدير.
في هذا المشهد شديد الاضطراب، يبرز ديوان الزكاة الاتحادي باعتباره إحدى المؤسسات القليلة التي واصلت العمل، محاولًا التكيف مع اقتصاد متغير جذريًا، ومعادلة اجتماعية أكثر تعقيدًا، حيث تحولت شرائح واسعة من دافعي الزكاة إلى مستحقين، وتضاعفت معدلات الفقر، واتسعت رقعة الاحتياج الإنساني.
ورغم هذا السياق، أعلن الديوان تحقيق نسبة أداء بلغت 127% من الربط المستهدف خلال الربع الأول من عام 2026، وهو رقم أثار نقاشًا واسعًا حول آليات القياس، وإعادة هندسة التحصيل، وطبيعة التحولات البنيوية في الاقتصاد السوداني نفسه.

وفي حولر صحفي محدود بمبني علوم الزكاة قدّم الأمين العام لديوان الزكاة الاتحادي د. يحي أحمد عبد الله القمراوي قراءة تفصيلية للأرقام، والواقع الاقتصادي، وحدود ما يمكن إنجازه في ظل اقتصاد شبه منهار، إلى جانب ملامح الخطة الاستراتيجية الممتدة حتى عام 2030. فالي مضابط الحوار :

كيف تصفون طبيعة الوضع الاقتصادي الذي تعمل فيه المؤسسة اليوم؟

إن ما يعيشه السودان لا يمكن وصفه بأنه أزمة تقليدية، بل هو “انهيار بنيوي شامل” أصاب الدولة في عمقها الإنتاجي والإداري.
“نحن أمام لحظة انكسار في الدورة الاقتصادية بالكامل. الزكاة ليست مؤسسة معزولة؛ هي مرتبطة بالإنتاج والدخل والنشاط التجاري. عندما يتوقف الإنتاج، يتغير كل شيء.”
ويشير إلى أن الديوان فقد ما يقارب 80% من بنيته التشغيلية في عدد من الولايات، بما في ذلك مقرات رئيسية وأنظمة تقنية وشبكات تحصيل.
ورغم ذلك، يؤكد: “لم نتوقف يومًا واحدًا منذ اندلاع الحرب، لكننا عدّلنا طريقة العمل بالكامل.”

ما حجم الانعكاس المباشر للحرب على الإيرادات؟

الإيرادات لم تتأثر فقط، بل “تغيرت طبيعتها جذريًا”، لأن مصدرها الأساسي وهو الإنتاج توقف أو تقلص بشدة.
وتمثلت أبرز الانهيارات في فقدان شبه كامل للكتلة النقدية في بدايات الحرب الي جانب توقف الزراعة والرعي في مساحات واسعةبالاضافة الي خروج ولايات إنتاجية من المنظومة
وتراجع الصناعات التحويلية
وانهيار سلاسل التصدير والاستيراد
فولاية الخرطوم وحدها كانت تمثل نصف الجباية تقريبًا، واليوم نشاطها الاقتصادي شبه متوقف مقارنة بما كان عليه.”

ما أبرز القطاعات التي انهارت وأثرت مباشرة على الديوان؟

الأزمة لم تكن مالية فقط، بل “تفكك في البنية الإنتاجية ومن أبرز القطاعات
مصانع السكر (الجنيد – سنار – حلفا)
تراجع إنتاج سكر كنانةوتوقف مشاريع الري الكبرى إضافة الي انهيار سلاسل الثروة الحيوانية وخروج مناطق إنتاج واسعة من الخدمة فما حدث ليس توقفًا مؤقتًا، بل تفكك في سلسلة إنتاج كاملة كانت تغذي الاقتصاد.”

كيف يمكن تحقيق أداء يتجاوز 100% في ظل هذا الانهيار؟

هذا الرقم لا يعكس توسعًا اقتصاديًا، بل يعكس إعادة هندسة شاملة للعمل المؤسسي.” وذلك عبر رفع كفاءة التحصيل في الولايات المستقرة نسبيًا
التحول الجزئي إلى التحصيل الإلكتروني وإعادة توزيع الكوادر البشرية والتركيز على الأنشطة الاقتصادية النشطة فقط
ومرونة عالية في الإدارة المالية
فنحن نعمل داخل اقتصاد منكمش، لذلك كان المطلوب هو تعظيم الكفاءة وليس توسيع القاعدة.”

كيف تغيّرت بنية المكلفين؟

الحرب أحدثت تحولًا اجتماعيًا عميقًا:
“عدد كبير من المكلفين أصبحوا مستحقين بدل أن يكونوا دافعين.”
ونتج عن ذلك تقلص قاعدة دافعي الزكاة الي جانب ارتفاع أعداد المستحقين وتوسع الفقر متعدد الأبعاد
وضغط هائل على المصارف الاجتماعية
ويضيف: “هذه واحدة من أخطر التحولات في البنية الاقتصادية والاجتماعية في السودان الحديث.”

كيف تعملون في الولايات غير المستقرة؟

الديوان اعتمد نموذج تشغيل مرن
“فلدينا مكاتب تعمل من مواقع بديلة أو نقاط تشغيل خارجية.” ويعتمد الديوان على شبكات مجتمعية محلية
شركاء إنسانيين وترتيبات لوجستية مرنة ويغطي ذلك
التكايا
دعم النازحين
العلاج الطارئ
الحالات الإنسانية
ماذا عن الكادر البشري؟
عدد العاملين يتجاوز 4300 موظف، لكن التشغيل الفعلي لا يتجاوز 50%.
: “لم يتم تسريح أي موظف رغم الظروف الصعبة.”لكن التحديات تشمل:
نزوح الكوادر وتوقف التدريب وصعوبات تشغيلية وضغط إداري متزايد

ما حجم الضرر المؤسسي؟

حجم الضرر في البنية المؤسسية يقترب من 80% في بعض الولايات.
ومع ذلك تمت إعادة تشغيل أمانات رئيسية الي جانب استعادة جزئية للأنظمة الإلكترونية وإعادة تفعيل التحصيل تدريجيًا

هل استمرت الخدمات الاجتماعية؟

المصارف الاجتماعية لم تتوقف، بل توسعت في بعض الجوانب.
وتشمل دعم الفقراء والنازحين
وأسر الشهداء والعلاج و التكايا
“في بعض الحالات، أصبح الديوان جهة إنقاذ اجتماعي أكثر من كونه جهة جباية فالحرب أعادت تعريف دور المؤسسة بالكامل فلم نعد مؤسسة جباية فقط، بل مؤسسة إدارة أزمة اجتماعية واقتصادية.”وهذا التحول يعني تدخل مباشر في الإغاثة
إدارة احتياجات إنسانية
دعم الاستقرار المجتمعي

ماهي اهم ملامح خطة 2026 – 2030:

اهم ملامح خطة 2020 – 2030 ترتكز علي أعادة بناء القاعدة وتتضمن الخطة التحول الرقمي الكامل
وإعادة هيكلة المصارف
تأهيل الموارد البشرية الي جانب
دعم المشاريع الإنتاجية الصغيرة
رفع كفاءة التحصيل وذلك
بهدف “إعادة ربط الزكاة بالإنتاج بدل الاستهلاك.”
المستقبل الاقتصادي: تعافٍ مشروط ونتوقع تعافٍ تدريجي عودة المصانع
توسع الإنتاج دخول استثمارات جديدة
كل ذلك مرهون بالاستقرار الأمني.”

ويعكس أداء ديوان الزكاة خلال سنوات الحرب حالة فريدة من إعادة التكيف المؤسسي داخل بيئة اقتصادية شبه منهارة.
فبينما انهارت القاعدة الإنتاجية، وتراجعت الموارد، وتوسعت رقعة الفقر، استطاعت المؤسسة إعادة بناء أدواتها، وتحويل دورها من جهاز جباية تقليدي إلى فاعل اجتماعي وإنساني في قلب أزمة وطنية غير مسبوقة.
لكن التحدي الأكبر، كما يخلص القمراوي، لا يزال قائمًا:
“ليس في تحقيق الأرقام… بل في إعادة بناء الاقتصاد نفسه الذي تصنع فيه هذه الأرقام.”

Exit mobile version