
▪️ الدعم السياسي والعسكري المتزايد الذي تقدمه حكومة آبي أحمد لمليشيا الدعم السريع يرتبط مباشرة بالأزمة الداخلية المُستفحلة التي يواجهها النظام الحاكم في إثيوبيا، ومحاولة الهروب من الضغوط الداخلية عبر إعادة توجيه الأزمة نحو السودان.
▪️ ففي لحظة انطلاق الطائرات المسيّرة من الأراضي الإثيوبية نحو السودان ، كانت حكومة آبي أحمد والجيش الإثيوبي يواجهان تصعيدًا غير مسبوق من أقوى الجبهات الداخلية “الأورومو، وتيغراي، والأمهرا، وبني شنقول” ففي إقليم “الأرومو “، الذي يضم العاصمة “أديس أبابا”، توسعت جبهة تحرير الأرومو عسكريًا وسيطرت على مناطق جديدة بينها مدينة “شقر” الاستراتيجية التى تبعد 40 كيلومتر من اديس ابابا . وفي إقليم أمهرا، تقدمت قوات فانو باتجاه محيط عاصمة الإقليم “بحر دار”، وتوسعت في القرى والطرق المحيطة بمدينة “بحر دار”، خاصة على المحاور المؤدية إلى المدينة من الاتجاهين الشرقي والجنوبي.
▪️أما في إقليم “تيغراي”، فقد تجاوز الأمر مجرد الخلاف السياسي، بعد أن أعادت جبهة تحرير شعب تيغراي تشكيل مجلسها الإقليمي السابق للحرب، وانتخبت قائدها التاريخي “ديبريتسيون جبريميكائيل” رئيسًا له، في خطوة تمثل عمليًا عودة الحكومة السابقة وسحب الاعتراف بالإدارة المؤقتة التي نشأت بموجب اتفاق بريتوريا، والتي تشكلت مع فصيل “قيتاشوا ردا” المنشق عن جبهة تيغراي، بينما تقف إريتريا في الخلفية داعمة لتحركات تيغراي.
▪️ وفي الغرب، تحركت قوات بني شنقول باتجاه عاصمة الإقليم “أصوصا”، بعد هجمات ناجحة استهدفت الجيش الإثيوبي في منطقة “قمد التنمية”، وهو ما يعكس اتساع رقعة الضغط العسكري على حكومة آبي أحمد من أكثر من اتجاه وفي توقيت واحد.
▪️ هذا المشهد يكشف أن إثيوبيا دخلت مرحلة “تعدد الجبهات المتزامنة”، وأصبحت حكومة أبي احمد مضطرة للقتال في أكثر من جبهة ، وعلى أكثر من مستوى؛ عسكريًا، وسياسيًا، ودبلوماسيًا، ونفسيًا. وهنا يمكن فهم السلوك الإثيوبي تجاه السودان.
▪️ فحكومة آبي أحمد، ومنذ صعودها إلى السلطة عام 2018 بدعم أمريكي وإماراتي، درجت على البحث عن “خصم خارجي” كلما واجهت ضغطًا داخليًا، بهدف إعادة توحيد الجبهة الداخلية وتحويل الأنظار بعيدًا عن الأزمة الأصلية. وهذا ما يفسر التصعيد الإثيوبي الأخير، سواء عبر الاتهامات السياسية المتكررة للسودان بدعم جبهة تيغراي، أو عبر التقارير المتعلقة باستخدام الأراضي الإثيوبية في عمليات تستهدف العمق السوداني.
▪️ وفي ذات السياق ، لا يمكن فصل التحركات الإثيوبية الأخيرة تجاه “واشنطن” ، فقد دفعت إثيوبيا مؤخرًا بوفد رفيع إلى الولايات المتحدة ضم ” وزير الخارجية، ومدير جهاز المخابرات والأمن الوطني، والمستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء”، في خطوة تعكس أن الأمر لا يتعلق فقط بالتعاون الاقتصادي، بل بإعادة ضبط الداخل الأثيوبي ،وتثبيت موقع إثيوبيا كشريك وظيفي رئيسي لواشنطن في القرن الإفريقي.
▪️ ويأتي هذا التحرك وسط مخاوف إثيوبية متزايدة من حدوث تقارب “أمريكي ـ إريتري” يمنح أسمرة دورًا أكبر في ترتيبات أمن البحر الأحمر، على حساب النفوذ الإثيوبي التقليدي. ولذلك تسعى حكومة آبي أحمد إلى تقديم نفسها لواشنطن باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على ضبط التوازنات الإقليمية، رغم أزماتها الداخلية المتفاقمة.
▪️ ومن هنا، فإن التصعيد ضد السودان لا ينفصل عن محاولة إثيوبيا إثبات أنها ما تزال لاعبًا إقليميًا قادرًا على التأثير الأمني والعسكري خارج حدودها، وأنها ليست دولة تتآكل من الداخل كما تعكسه التطورات الميدانية في أوروميا وأمهرا وتيغراي وبني شنقول.
▪️ فالمسألة لا تتعلق فقط بإسناد مليشيا الدعم السريع بل بمحاولة إعادة صياغة الرواية الداخلية الإثيوبية نفسها. فبدلًا من تقديم الأزمة علي حقيقتها باعتبارها نتيجة فشل إدارة التوازنات الإثنية والسياسية داخل إثيوبيا، يجري تقديمها للرأي العام الإثيوبي باعتبارها نتيجة “تدخلات خارجية” تستهدف استقرار الدولة.
▪️ وبهذا المعنى، يصبح السودان في الخطاب الإثيوبي طرفًا يقف خلف إشعال الجبهات الداخلية، وهي رواية تؤدي وظيفة سياسية واضحة؛ تخفيف الضغط على حكومة أبي احمد، وإعادة تعبئة الداخل الإثيوبي حول الخطر الخارجي القادم من السودان ، وتبرير الإجراءات الأمنية والعسكرية.
▪️ كما أن استهداف السودان بالطائرات المسيّرة، إذا ما قُرئ ضمن هذا السياق، لا يبدو فقط فعلًا عسكريًا محدودًا، بل رسالة سياسية ونفسية موجهة للداخل الإثيوبي بقدر ما هي موجهة للسودان نفسه. فالحكومة الإثيوبية تحتاج في هذه المرحلة إلى إظهار أنها لا تزال قادرة على المبادرة والتحرك خارج حدود أزمتها الداخلية، وأنها ليست في موقع الدفاع الكامل أمام الجبهات المتعددة.
▪️ ومن هنا تبرز معادلة “الردع والحسم دون الانزلاق”. فالردع لا يعني الحرب، بل بناء تكلفة واضحة لأي محاولة إثيوبية لتوسيع الصراع، عبر رفع مستوى التنسيق العسكري والاستخباراتي ورفع درجة التأمين الجوي والبري للحدود ، وتكثيف الضغط الدبلوماسي والإقليمي، وإرسال رسائل واضحة بأن أمن السودان جزء لا يتجزأ من أمن الإقليم .
▪️أما الحسم، فلا يعني توسيع المواجهة، بل إغلاق المجال أمام استخدام السودان كورقة للهروب من الأزمة الداخلية الإثيوبية، ومنع تحويله إلى ساحة حرب إقليمية بالوكالة.
*خلاصة القول ومنتهاه :*
▪️ أن تصدير الأزمات لا يحلها، بل يؤجلها فقط. فالدول التي تحاول الهروب من تناقضاتها الداخلية عبر خلق توترات خارجية، غالبًا ما تجد نفسها أمام أزمة أكبر وأكثر تعقيدًا، ولهذا، فإن ما يجري اليوم بين السودان وإثيوبيا لا ينبغي قراءته فقط كتوتر ثنائي، بل كجزء من معركة أعمق تدور داخل الدولة الإثيوبية نفسها؛ معركة بين مركز يواجه خطر التآكل، وأطراف باتت ترى أن لحظة إعادة تشكيل الدولة قد اقتربت.



