
الرياض : عبد النبي شاهين
باحث في منظمة الشفافية الدولية وممثل المعهد الأمريكي لمكافحة الفساد في الشرق الأوسط وأفريقيا
الحلقة الثانية
في الحلقة الأولى اشرنا الى قساوة عنوان المقال مع ثقتنا في رغبة الرجلين في نجاح فترة حكمهما وهذا النجاح يتطلب حتما تحقيق الأمن والاستقرار للدولة ومواطنيها اولا ، ومن ثم مكافحة الفساد بالقانون فقط ، بعد اكتمال بناء المؤسسات العدلية والتشريعية ، وهو ما يعمل كل من الرئيس البرهان ورئيس الوزراء على تحقيقه ، ويحتاجان الى المخلصين من ابناء السودان في الداخل والخارج لدعمهما في ذلك دونما أي مطامع شخصية او اهداف سياسية
لا شك ان أفضل القرارات التي اتخذها الدكتور كامل إدريس منذ بداية توليه مهام رئاسة مجلس الوزراء هو تعيين الفريق شرطة متقاعد عابدين الطاهر رئيس لهيئة النزاهة والشفافية ، ولأهمية سيرة من يرأس مثل هذا الجهاز ، خاصة ان البعض في الميديا قد ساق عليه بعض الاتهامات ، ولأن رجال الشرطة والمباحث لديهم الكثير من الاعداء والخصوم بحكم عملهم ، فقد سألت عنه عدد مقدر من ضباط الشرطة الذين اثق فيهم وفي نزاهتهم الشخصية وقوتهم في قول الحق
وكان بعضهم قد عمل معه وبعضهم من ذات الرتبة ، والبعض لم يعمل معه ولكنه يعرف عنه الكثير من التفاصيل ، وفي المجتمع السوداني ( حاجاتنا كلها مكشوفة ) ، وخلاصة شهاداتهم ان الفريق عابدين الطاهر كان من اميز الضباط في تاريخ الشرطة السودانية كفاءة ، ونزاهة ، وامانة ، لدرجة ان البعض كان يأمل في ان يعين مديرا عاما للشرطة او وزيرا للداخلية ، فضلا عن انه لم يكن لديه انتماء سياسي معروف ، وبالتالي فان السيد رئيس الوزراء يكون قد اختار الرجل المناسب في المكان المناسب ، ولكن
ولكن تحقيق النزاهة ومكافحة الفساد تتطلب اولا معالجة اجور موظفي الدولة بمختلف درجاتهم عسكريين ومدنيين ، خاصة في ظل التضخم الاقتصادي في السودان والغلاء الفاحش في معيشة الناس التي تضطر بعضهم مهما كان نظيف اليد والقلب واللسان ان يمد يده لما لا يحل له شرعا ولا قانونا ، اضافة الى ضرورة ان تكون ولاية المال العام لوزارة المالية وحدها ، وان تكون هذه الوزارة نفسها اول من تطبق قيم النزاهة والشفافية في التصرف في هذا المال
كما ان محاربة الفساد في دولة تخوض حربًا مثل السودان تعد من أعقد التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، لأن الحرب نفسها تنتج اقتصادًا موازياً وشبكات مصالح مسلحة يصعب تفكيكها ، وهذا الاقتصاد الموازٍي تستفيد منه شبكات داخل السلطة وخارجها ، فالسودان يعاني حاليا من تهريب الذهب والمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية بسبب عدم السيطرة على المعابر والمنافذ البرية الجوية والبحرية ، كما يعاني من الابتزاز والجبايات غير القانونية التي تساعد على التهريب
ان تولي قادة فصائل أو شخصيات مرتبطة بمجموعات مسلحة لوزارات سيادية أو اقتصادية باسم اتفاق جوبا او غيره مثل : المالية ، المعادن ، الاستثمار ، الشؤون الاجتماعية ، والصناديق السيادية من شأنه ان يخلق عدة مخاطر جوهرية منها : تحويل هذه الوزارات إلى أدوات تمويل سياسي وعسكري لمليشياتهم ولأنفسهم وشرعنة ( اقتصاد المليشيات )
ولو فرضت الضرورات السياسية والعسكرية والأمنية إشراكهم في السلطة كما هو الحال حاليا ، فيجب تقليص سيطرتهم على الموارد النقدية والمعدنية المباشرة ، لذلك كنت اتمنى ان يصدر قرار تشكيل الهيئة وتعيين رئيسها من السيد الرئيس البرهان نفسه وان يكون لرئيس الهيئة اتصال مباشر وخط مفتوح مع السيد رئيس مجلس السيادة شخصيا
ذلك بالتأكيد ليس تقليلا من مكانة وسلطات رئيس الوزراء حاشا لله ، ولكن لأن طبيعة عمل رئيس الهيئة تتطلب منه ان يواجه جهات عسكرية تحمل السلاح وتتحكم به ، وبالتالي يجب عليه ان ( يركب مكنة رئيس جمهورية عديل ) ان كان هذا الرئيس يستطيع ذلك في ظل التحالفات التي فرضتها الحرب الحالية ، كما يجب ان يكون قانون هيئة النزاهة والشفافية رافعا للحصانات القانونية بكل انواعها لأي كائن من كان في جمهورية السودان عسكريا او مدنيا ومهما كانت درجته الوظيفية
هذا بالضبط ما تم تطبيقه في المملكة العربية السعودية التي اقيم واعمل فيها منذ 35 عاما وحتى الآن ، وشاركت في تقديم استشارات فنية عند تأسيس هيئة الرقابة ومكافحة الفساد السعودية ( نزاهة ) في عام 2011م ، كما تشرفت بتقديم مشروع مفوضية مكافحة الفساد في السودان ، وكان من ضمن آليات عملها مشروع الايصال المالي الإلكتروني المطبق حاليا ، عوضا عن اورنيك 15 العتيق سيء الذكر ، كما شاركت في وضع اول قانون لمكافحة الفساد في عهد وزير العدل الأسبق عوض النور ، ومن يبحث في محركات البحث يجد بعضا من ذلك
انتهى


