الخرطوم بعد عام من دحر المليشيا… ما الذي تحقق؟

بقلم عزالدين المصري

عامٌ كامل مضى على اللحظة التي توقفت فيها أصوات المدافع والهاونات في سماء الخرطوم. عامٌ منذ أن أعلن الناس نهاية كابوس المليشيا وبداية حلم العودة.

أكتب هذه المقال ليس من بعد ، بل من قلب الشوارع والاحياء الذي شهدت فيها كل شيء. رأيتها وهي تُجرح، ورأيتها وهي تضمّد جراحها ببطء.

اليوم، وبعد اثني عشر شهراً وأكثر من “النصر”، أجدني مضطراً أن أسأل السؤال الذي يتهرب منه الخطاب الرسمي ويتجنبه حديث المجالس: ماذا تحقق فعلاً؟

نظرتي للواقع الآن هي نظرة مواطن عاد ينظر للخراب والدمار وسعي الحكومة لإعادة الاعمار، بين إنجازٍ أمني لا يُنكر، وواقعٍ خدمي ومعيشي يُثقل الكاهل، تكمن الحقيقة التي أحاول أن ألامسها في هذا المقال.

فالمدن لا تُقاس ببيانات التحرير، بل بقدرة أهلها على استعادة تفاصيل يومهم العادي. وهذا ما سأحاكم به عاماً كاملاً من عمر الخرطوم بعد المليشيا.

خرطوم بعد عام من دحر المليشيا: ما الذي تحقق؟

بعد مرور عام كامل على إعلان القوات المسلحة دحر المليشيا من قلب العاصمة الخرطوم، تقف المدينة على مفترق طرق بين ألم الذكرى وثقل التحدي. فالمشهد اليوم ليس لوحة واحدة، بل فسيفساء من إنجازات ملموسة وجراح لم تندمل بعد.

أولاً: على صعيد الأمن والاستقرار
أبرز ما تحقق هو عودة السيطرة المركزية للدولة على العاصمة. تلاشت أصوات المدافع من معظم الأحياء، وعادت دوريات الشرطة والقوات النظامية إلى الشوارع الرئيسية. فتح مطار الخرطوم جزئياً، وعادت بعض الجسور للعمل، مما أعاد شريان الحياة بين مدن العاصمة الثلاث. لكن هذا الاستقرار لا يزال هشاً. جيوب متفرقة من الجريمة المنظمة، وانتشار السلاح، يجعلان إحساس المواطن بالأمان الكامل هدفاً لم يكتمل.

ثانياً: في ملف الخدمات والبنية التحتية
شهد العام جهوداً مضنية لإعادة الكهرباء والمياه إلى أحياء واسعة، وترميم جزئي لمحطات رئيسية. مستشفيات مثل أم درمان وسوبا عادت للخدمة ولو بطاقة تشغيلية محدودة. غير أن حجم الدمار الذي طال شبكات المياه والكهرباء والمؤسسات الصحية والتعليمية يفوق قدرة المعالجات الإسعافية. أحياء كاملة في الخرطوم وبحري لا تزال خارج الخدمة، والمواطن يدفع ثمن التهالك من وقته وماله يومياً.

ثالثاً: العودة الطوعية وإعادة الإعمار
عاد عشرات الآلاف من الأسر إلى منازلهم، خاصة في أم درمان القديمة وأجزاء من الخرطوم. فتحت الأسواق المركزية أبوابها، وعادت مظاهر الحياة تدريجياً. لكن “العودة” لا تعني “التعافي”. آلاف المنازل مدمرة كلياً، والمرافق العامة تحتاج تمويلاً بمليارات الدولارات. غياب خطة إعمار شاملة ومعلنة يجعل العودة الفردية عبئاً يتحمله المواطن وحده.

رابعاً: الواقع الإنساني والاقتصادي
الأسواق نشطت، لكن الغلاء الفاحش وانهيار قيمة العملة حوّلا الحياة إلى كفاح يومي. فقدان الوظائف، وتوقف عجلة الإنتاج، جعلا التعافي الاقتصادي بطيئاً ومؤلماً. الملف الإنساني لا يزال مفتوحاً: ملايين النازحين لم يعودوا الي منازلهم

بعد عام من دحر المليشيا، ربحت الخرطوم معركة البندقية لكنها لم تكسب معركة الحياة بعد. ما تحقق هو الأساس: دولة بلا مليشيا تسيطر على العاصمة، ومواطن بدأ يخرج من الملاجئ إلى الشوارع. وما لم يتحقق هو الأصعب: إعادة بناء الإنسان والعمران والثقة.

الخرطوم اليوم لا تحتاج بيانات نصر، بل تحتاج خطة عمل. فالدول لا تُبنى بإزالة العدو فقط، بل بمنع عودته، وإعمار ما خربه، وإنصاف من دفع الثمن.

Exit mobile version