
في قلب العتمة التي خلّفتها نيران الحرب، وبينما كانت الدروب تضيق بأهلها، انبلج من أفق العطاء نورٌ لم يكن مجرد وميض عابر، بل كان يداً حانية تمسح عن المآقي غبار الانكسار.
اختار مركز فضل محمد خير لخدمة المجتمع، أن يكتب فصلاً من فصول النور في كتاب السودان المثخن بالجراح، مطلقاً مبادرته الإنسانية “حتى يبصر السودان وجه الأمل”.
لم تكن المبادرة مجرد أرقام في تقارير دورية، بل مسيرة بدأت بطموحٍ نبيل لعلاج (1200) مريضٍ في ثلاث قرى نالت منها الحرب ما نالت.. (400) مريضٍ لكل محطة، لكن فيض الاحتياج وتدفق الأمل والعشم، كانت أكبر من كل التوقعات.
منذ أن حطت القوافل رحالها في قرية الكداريس بولاية النيل الأبيض، انهمر “أهل العشم” إلى الضياء كعطشى على مورد ماء، لتتجاوز الإحصائيات سقف التقديرات ويصل عدد الذين استردوا عافية أبصارهم هناك إلى (637) مريضاً، في فاتحة خير أثبتت أن إرادة الخير لا تحدها حدود.
لم تقف هذه الرحلة عند حدود النيل الأبيض، بل امتدت لتلامس جراح ولاية الجزيرة المكلومة، فكانت الهلالية هي المحطة الثانية، وهي المدينة التي شهدت مآسي مروعة، وسكنتها أحزانٌ لا تُمحى، فجاء مركز فضل محمد خير ليضمد ما عجزت عنه الكلمات.
هناك في الهلالية، حيث اختلطت دموع الفقد بآمال الشفاء، ارتفع عدد المستفيدين ليصل إلى (647) مريضاً، بدلاً من الـ (400) المستهدفة، ليصبح إجمالي من شملتهم الرعاية في المحطتين (1286) إنساناً استعادوا القدرة على إبصار تفاصيل الحياة التي حاولت الحرب طمسها.
تأتي هذه النجاحات، ثمرة شراكة استراتيجية ورعاية كاملة من مركز فضل محمد خير، الذي تحالف مع مستشفيات مكة التابعة لمؤسسة البصر الخيرية العالمية، وبتنسيق من رائد العمل التطوعي عثمان الجندي، في لوحة تكاملية تهدف لإيصال الخدمة الطبية المتقدمة إلى قلب المناطق الطرفية، خاصة لأولئك الذين قطعت الحرب بينهم وبين المشافي الكبرى.
قدم المركز كشوفات طبية دقيقة وفحوصات بصرية شاملة، ووفر الأدوية والنظارات، ممهداً الطريق لتدخلات جراحية في مرحلة ثانية تضمن استعادة كاملة للرؤية.
والآن، والقلوب تخفق بانتظار يوم الجمعة، الأول من مايو، تتأهب قوافل المركز لشد الرحال نحو قرية “ود النورة” بمحلية 24 القرشي، وهي القرية التي بات اسمها جرحاً في ذاكرة الإنسانية وبكت لأجل مصابها عيون العالم أجمع.
عانى أهل “ود النورة”، ليس فقط من ويلات الحرب التي هزت الضمير العالمي، بل ومن تراجع الخدمات الصحية وصعوبة الوصول إلى الرعاية لتعقيدات الحرب وويلاتها.
لذا، سيهبط مخيم العيون في البلدة الصامد الصابرة حاملاً معه الأمل، في رسالة إنسانية بليغة تؤكد أن مركز فضل محمد خير لا يكتفي بالدعم، بل يذهب إلى حيث يشتد الوجع، عازماً على التوسع في ولايات أخرى، متحدياً العقبات الاقتصادية واللوجستية.
سيظل التزام مركز فضل محمد خير لخدمة المجتمع بتعزيز فرص الوصول للرعاية الصحية، هو البوصلة التي توجه هذا العمل الإنساني الرفيع، مبرهناً على أن النور حينما يأتي من قلوب صادقة، فإنه يملك القدرة على تبديد أظلم الليالي.



