أخر الأخبار

صلاح دعاك يكتب : مرضى الكلى في السودان: حكاية صبرٍ تنتظر الأمل

في زيارتي الأخيرة إلى أم درمان، لم تكن الرحلة مجرد رحلة من بورتسودان إلى الخرطوم، بل كانت عبورًا إلى مساحةٍ من التأمل العميق في واقعٍ يتشكل أمامنا بصمت. دخلت إلى مركز حبيب الرحمن لغسيل الكلى بأم درمان، بعد زيارة عدد من المراكز في الولايات المختلفة في طريقنا إلى هناك، وكان كل شيء يوحي بالاطمئنان داخل مركز حبيب الرحمن: نظافة واضحة، نظام دقيق، واهتمام يقترب كثيرًا من المعايير العالمية. لكن خلف هذا المشهد المرتّب، كانت هناك قصة أخرى تُكتب بصمت، قصة لا تُرى في تفاصيل المكان، بل في وجوه من يجلسون داخله رغم ابتساماتهم بالترحيب.
لم يكونوا فقط من كبار السن كما اعتدنا أن نتوقع، بل كان بينهم شباب في أعمار صغيرة، وأطفال لم تكتمل بعد ملامح طفولتهم. مشهدٌ تكرر في أكثر من مركز، وفي أكثر من مدينة، حتى لم يعد مجرد ملاحظة عابرة، بل أصبح سؤالًا ملحًا: لماذا يتزايد الفشل الكلوي بهذا الشكل؟ وما الذي تغيّر في حياتنا حتى أصبح المرض يطرق أبواب هذه الأعمار المبكرة؟
الإجابة لا يمكن أن تكون سريعة أو سطحية، فهي تحتاج إلى دراسة علمية جادة تتناول الأسباب بعمق: أمراض مزمنة لم تُضبط بالشكل الكافي، أنماط حياة تغيّرت، بيئة قد لا تكون آمنة كما ينبغي، أو وعي صحي لم يصل إلى المستوى المطلوب. وربما كانت الحقيقة مزيجًا من كل ذلك. لكن المؤكد أن هذه الظاهرة لم تعد تحتمل التأجيل، وأن البحث في جذورها أصبح ضرورة، لا خيارًا.
وفي خضم هذا القلق، يبرز بابٌ واسع للأمل، باب التبرع بالكلى، بوصفه أحد الحلول الإنسانية التي يمكن أن تغيّر حياة آلاف المرضى. فالإنسان، كما يؤكد الطب، يمكنه أن يعيش حياة طبيعية بكلية واحدة، بل إن الجسم يتكيف بطريقة مدهشة، حيث تزداد كفاءة الكلية المتبقية لتقوم بوظيفة أكبر (من بركة ولطف الله). بل إن بعض الناس يولدون بكلية واحدة، ويعيشون حياتهم دون أن يكتشفوا ذلك. ليست هذه مجرد معلومة طبية، بل دعوة لإعادة التفكير في مفهوم العطاء، وفي قدرتنا على أن نكون سببًا في استمرار حياة إنسان آخر. وأنا أعرف أن بعض أهلنا في السودان يتخوفون حتى من التبرع بالدم، ناهيك عن التبرع بكلية، وهذا في الغالب لضعف المعرفة والثقافة حول ضرره أو فائدته.
تحضرني هنا قصة إنسانية مؤثرة اطلعت عليها في أحد المواقع الطبية كقصة نجاح، لرجل يُدعى مارك غورالسكي، الذي عاش سنوات طويلة يصارع الفشل الكلوي، حتى تغيّر مسار حياته في عام 2011 حين قرر ابنه أن يمنحه فرصة جديدة، متبرعًا له بإحدى كليتيه. لم تكن تلك اللحظة مجرد إجراء طبي، بل كانت ولادة جديدة لحياةٍ استمرت سبع سنوات إضافية، لم يكتفِ فيها بالنجاة، بل كرّسها للعطاء، يساعد الشباب ويحتويهم، كأن التجربة منحته قدرة أعمق على فهم الآخرين.
ومع مرور الوقت، عاد المرض ليطرق بابه من جديد، وعندما تعطلت الكلية المزروعة، لم يعد جسده قادرًا على تحمّل عملية أخرى، رغم استعداد ابنته للتبرع. وفي سبتمبر 2018، رحل الرجل، تاركًا خلفه حزنًا كبيرًا… لكنه ترك أيضًا شيئًا أعظم من الحزن.
بعد شهر واحد فقط، قررت ابنتاه أن تحوّلا الألم إلى فعل. تواصلت إحدى ابنتيه مع أحد المستشفيات في شيكاغو، واتّفقت مع شقيقتها على خطوة تعبّر عن وفائهما لوالدهما: التبرع بكليتيهما لأشخاص لا يعرفونهما. لم يكن السؤال من سيستفيد، بل كيف يمكن أن تستمر الرسالة.
ومن هنا، بدأت سلسلة إنسانية مدهشة، حيث لم يتوقف العطاء عند شخصين، بل امتد ليشمل آخرين، في تفاعل متسلسل جعل كل متبرع يفتح بابًا لغيره، حتى تحولت المبادرة إلى شبكة من عمليات الزراعة التي أعادت الحياة إلى كثيرين، وأعادت معها الفرح إلى بيوتٍ كادت أن تفقد الأمل.
هكذا يتحول الفقد إلى معنى، وهكذا يصبح الإنسان أثرًا يمتد بعد رحيله.
وفي السودان، نحن بحاجة إلى أن تتحول مثل هذه النماذج إلى ثقافة راسخة، أن تتبنى جمعيات مرضى الكلى ومراكز العلاج برامج توعوية حقيقية، تُشجّع المجتمع على التبرع، وتفتح باب الأمل أمام المرضى. فهؤلاء المرضى ليسوا مجرد حالات طبية، بل هم جزء حي من المجتمع: فيهم الطبيب، والمهندس، والفنان، ورب الأسرة، والطالب، وكل من يمكن أن يعود ليُسهم في بناء الحياة من جديد.
ولعل تجربة الموسيقار الأستاذ محمد وردي تظل قريبة من الذاكرة، حين عاد بعد رحلة المرض ليواصل عطاؤه الفني الكبير، وكأن الحياة منحته فرصة أخرى ليُكمل ما بدأه.
أما المرضى أنفسهم، فهم الوجه الأصدق لهذه الحكاية. أحد الزملاء الأطباء، دكتور حسن الشيخ، كان مسجلًا في قسم طب المجتمع في مجلس التخصصات الطبية—نسأل الله أن يتقبله—كان شعلة من النشاط؛ يذهب إلى جلسات الغسيل، وفي اليوم التالي يحضر لمناقشة علمية أو يشرف على امتحان، وكأن المرض لم يكن إلا تفصيلًا صغيرًا في مسيرة أكبر. عاش على الغسيل الكلوي لسنوات عديدة تجاوزت خمسة عشر عامًا، وتوفي لأسباب لا علاقة لها بالفشل الكلوي. وفي بورتسودان، التقيت رجلًا ظل على الغسيل الكلوي لأكثر من ثلاثة وعشرين عامًا، كان يضحك ويمازح من حوله، يعيش برضا عجيب، ويحتفظ بأمل بسيط: أن يجد يومًا من يتبرع له بكلية.
هؤلاء لا يطلبون كثيرًا… فقط فرصة.
ومن هنا، تأتي الرسالة التي لا ينبغي أن تغيب: الغسيل الكلوي ليس نهاية الحياة، بل يمكن أن يكون بداية لنمط مختلف من العيش. يستطيع المريض أن يعمل، وأن يشارك في المجتمع، وأن يعيش تفاصيل حياته بشكل طبيعي. بل إن الاستمرار في الحياة، والحفاظ على الروح المعنوية، ينعكس إيجابًا على الجسد نفسه، وكأن الأمل يصبح جزءًا من العلاج.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بمرضٍ فحسب، بل بثقافة مجتمع، بثقافة ترى في التبرع حياة، وفي العطاء امتدادًا للإنسان. ثقافة تؤمن أن كلية واحدة قد تكون سببًا في إنقاذ حياة كاملة، وأن فعل الخير، مهما بدا بسيطًا، يمكن أن يصنع أثرًا لا ينتهي.
نسأل الله لمرضى الكلى في السودان الصحة والعافية، وأن يجعل في مجتمعنا من يفتح أبواب الأمل، ومن يؤمن أن إنقاذ إنسان… هو في حقيقته إنقاذ لحياة كاملة:
﴿ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا﴾.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى