

بقلم: معتصم عباس
في ظل التحديات المجتمعية الراهنة والظروف الاستثنائية القاسية التي يمر بها السودان، تبرز المبادرات الإنسانية كشعاع أمل يضيء دروب المحتاجين، وتتجلى معادن الرجال في أوقات المحن والشدائد. ومن أبرز هذه الإسهامات المضيئة التي تستحق التوقف عندها طويلاً، تبرز جهود رجل الأعمال السوداني فضل محمد خير، الذي ارتبط اسمه بالعديد من المبادرات الرائدة والمشاريع التنموية، ليصبح رمزاً حقيقياً للعطاء المستمر في أوقات السلم والحرب على حد سواء، ومثالاً يُحتذى به في المسؤولية المجتمعية.
إن مسيرة عطاء فضل محمد خير ليست وليدة اللحظة أو ردة فعل لحدث عابر، بل هي نهر متدفق يمتد لأكثر من ثمانية وثلاثين عاماً من البذل والعطاء. تجلى هذا العطاء مبكراً في تشييد مدرسة السوكي الثانوية للبنات، والتي لم تكن مجرد جدران وفصول دراسية، بل كانت مشروعاً تنموياً عالج مشكلة اجتماعية وتعليمية كبرى. فقد وفرت هذه المدرسة بيئة آمنة ومستقرة للفتيات اللاتي كن يتكبدن مشقة السفر للداخليات في مدن سنار وسنجة والدمازين، مما أسهم في استقرار أسرهن ودعم مسيرتهن التعليمية، وفتح أمامهن آفاقاً واسعة للمستقبل.
واستمر هذا العطاء طيلة العقود الماضية، متجاوزاً حدود الزمان والمكان، ليشمل بناء المستشفيات والمراكز الصحية، وتشييد المدارس والمساجد، وحفر آبار المياه لتروي ظمأ القرى العطشى في مختلف بقاع السودان. كما امتدت يده البيضاء لدعم الأسر المتعففة التي لا تسأل الناس إلحافاً، وتسيير القوافل الإنسانية والإغاثية التي لم تتوقف إلا عندما أتى إلينا مناع للخير معتدٍ. ورغم محاولات البعض تشويه صورة الرجل والنيل من إنجازاته، إلا أن تاريخه الاستثماري الحافل في بناء المصانع وتشغيل آلاف الشباب، وعمله الخيري العميق والممتد، يرد بقوة على تلك الافتراءات، مؤكداً أن الشجرة المثمرة هي التي تُرمى بالحجارة، وأن الأعمال العظيمة تتحدث عن نفسها.
وحديثاً، وفي التفاتة إنسانية كريمة تعكس عمق الانتماء لهذا الوطن، أطلق مركز فضل محمد خير لخدمة المجتمع مبادرة “أراهم بعناية”، وهي من أهم المبادرات الصحية التي تستهدف الفئات الأكثر احتياجاً في المجتمع. وقد تبرع المركز بعلاج مجاني متكامل لـ 1200 حالة من مرضى العيون، في خطوة تعكس الإحساس العميق بمعاناة البسطاء. وشملت المبادرة كشف النظر بأحدث الأجهزة الطبية المتطورة، وتقديم استشارات طبية متخصصة على يد نخبة من الأطباء، وتوفير نظارات طبية عالية الجودة، وصرف الأدوية مجاناً للمرضى، مما خفف عنهم أعباء مالية كبيرة.
وقد انطلقت أولى بشائر هذه المبادرة المباركة من خلال المخيم الأول الذي استهدف 400 مريض في قرية الكداريس بمحلية القطينة (ولاية النيل الأبيض) في 17 أبريل 2026. وهذا الاختيار لم يكن صدفة، بل يعكس الحرص الشديد على الوصول للمجتمعات الريفية المفتقرة للخدمات الصحية المتخصصة، وتخفيف العبء عن كاهل المواطنين في تلك المناطق النائية التي طالما عانت من التهميش ونقص الخدمات.
وفي هذا السياق، أشاد الدكتور معاذ عبدالحفيظ، مدير مستشفى مكة للعيون بالكلاكلة، بهذه الجهود الإنسانية النبيلة، مسلطاً الضوء على البعد النفسي والاجتماعي العميق للمبادرة، حيث قال: “استهدفت هذه المبادرة المناطق التي تضررت من الحرب ضرراً كبيراً، لتعيد لهم الابتسامة مرة أخرى ولتزيل كثيراً من الكدر والحزن الذي ألمّ بالناس. فالحزن من الأسباب التي تؤدي إلى إصابة المرضى بالعمى”.
ويؤكد هذا الحديث حقيقة طبية ونفسية بالغة الأهمية؛ فالعلاقة بين الحزن وأمراض العيون وثيقة ومثبتة علمياً. إذ إن الضغوط النفسية الشديدة والحزن المستمر يؤديان إلى ارتفاع مستويات هرمونات التوتر في الجسم، مثل الكورتيزول والأدرينالين، مما قد يتسبب في ارتفاع ضغط العين (الجلوكوما) أو التأثير سلباً على الأوعية الدموية الدقيقة المغذية للشبكية. كما أن البكاء المستمر والمفرط قد يؤدي إلى جفاف العين والتهاباتها المزمنة، وفي حالات الصدمات النفسية العنيفة قد يحدث فقدان مؤقت أو دائم للبصر، وهو ما يُعرف طبياً بالعمى الهستيري أو التأثير النفسجسدي (Psychosomatic). لذا، فإن مثل هذه المبادرات العظيمة لا تقتصر على معالجة الأجساد فحسب، بل تتجاوز ذلك لتداوي الأرواح، وتخفف من وطأة الأحزان التي تثقل كاهل المتضررين، وتعيد إليهم نور الأمل مع نور البصر.
ولا تقتصر إسهامات فضل محمد خير على قطاع الصحة فحسب، بل تمتد لتشمل التعليم والتنمية الشاملة ودعم الاقتصاد الوطني. فجهوده السابقة شملت أعمالاً مشهودة قبل حوالي ثلاثين عاماً، حين توقفت الزراعة بسبب انعدام التمويل للموسم الزراعي الذي يشكل الشريان الأساسي لحياة الناس في ولاية سنار. في تلك اللحظة الحرجة، بادر فضل بتقديم قرض حسن لتمويل وقود الزراعة للمزارعين، منقذاً بذلك الموسم الزراعي ومصادر رزق الآلاف من الأسر، ومساهماً في تحقيق الأمن الغذائي.
وحديثاً، ومن باب الوفاء لأهل العطاء وصناع الأجيال، قدّم مبادرة حسّ فيها المعلمين بإنشاء كيان تكافلي لمعلمي المنطقة في الخدمة والمعاش، والذين يتجاوز عددهم الآلاف. وقد تبرع لهم بمبلغ أولي قدره مائة ألف ريال سعودي من باب رد الجميل، في خطوة تدل على أسمى معاني التفوق والنبل وتقدير العلم والعلماء. إن أعمال أخي فضل لا يمكن حصرها في مقال واحد، لأنها سلسلة متصلة الحلقات من الأعمال الخيرة والمشاريع التنموية، وما نتحدث عنه هو الظاهر منها فقط، لأن أغلبها غير معروف ويُبذل في الخفاء ابتغاء مرضاة الله، وتظهر بعضها أحياناً من الطرف الآخر المستفيد.
ختاماً، نرجو من الأخ فضل أن تمتد هذه المبادرة الكريمة لتشملنا وتشمل مناطق أوسع من ربوع وطننا الحبيب، فالحاجة ماسة والقلوب تتطلع إلى مثل هذه الأيادي البيضاء. كما نناشد جميع الميسورين ورجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال أن يتخذوا من مثل هذه المبادرات إلهاماً لهم، ونبراساً يضيء طريقهم، ليساهموا بفعالية في مسح الحزن عن وجوه أبناء هذا الوطن، وتضميد جراحهم. إن مبادرة “أراهم بعناية” ليست حدثاً معزولاً، بل هي رسالة أمل قوية تؤكد أن الإنسانية لا تزال بخير، وأن العمل الصالح هو الأبقى والأكثر تأثيراً في حياة الناس، وأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الانسان ورعايتة



