أخر الأخبار

جامعة أم درمان الأهلية ومسؤولية الدولة بين إرث المجتمع وتحديات الخصخصة

 

 

بقلم استاذ : ناصر عبد الرحيم يس

جامعة أم درمان الأهلية تمثل رائدة التعليم الأهلي في السودان بلا منازع، حيث تبلورت عبقرية الفكرة في ذهن مؤسس الجامعة وصاحب فكرتها البروفيسور محمد عمر بشير، طيب الله ثراه، في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وأخذ يبشر بها بين أروقة جامعة الخرطوم التي كان من رواد سودنتها وإرساء قواعد نظمها الأكاديمية والتعليمية. ولما كانت الفكرة متفردة في ذلك الوقت فقد استطاع أن يستقطب لها بعض أساتذة ومفكري جامعة الخرطوم وبعض الجامعات السودانية التي كانت قائمة في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وعلى رأسهم على سبيل المثال وليس الحصر بروفيسور عبد الرحمن أبو زيد، طيب الله ثراه، المدير الأسبق للجامعة. وأخذ بروف محمد عمر بشير، مؤسس الجامعة وصاحب فكرتها، يبشر بالفكرة في المجتمعات الأمدرمانية التي استطاع من خلالها استقطاب لفيف من خيرة أبناء الوطن من رواد العمل العام ورجال الأعمال، وعلى رأسهم على سبيل المثال وليس الحصر رجل الأعمال السيد عبد الرحمن صالح يعقوب، متعه الله بالصحة والعافية، رئيس مجلس الأمناء المنتخب الأسبق للجامعة، والسيد عبد الوهاب إبراهيم رئيس مجلس الجامعة المنتخب الأسبق.

وبدأت الجامعة فعليًا في مطلع العام1986م في مدارس المليك العريقة في مدينة الملازمين جوار مبنى الإذاعة بمدينة أم درمان، ببرامج تعليمية منتقاة، حيث كانت تمثل بالفعل حاجة سوق العمل السوداني مثل المختبرات الطبية والعلوم الإدارية واللغات والعلوم البيئية وعلوم الحاسوب وغيرها من البرامج التي وجدت قبولًا كبيرًا من أبناء السودانيين الذين فضلوا الانضمام لها بدلًا من خيار السفر لخارج السودان للحصول على الشهادة الجامعية، حيث كان اللجوء للتعليم الجامعي في الخارج السمة الغالبة في ذلك الوقت نظرًا لضيق الفرص وقلة الجامعات بالداخل.

وتمثلت عبقرية فكرة جامعة أم درمان الأهلية في كونها قامت وأنشئت بفكرة النفير، أي برأس مال إنشائي تم تجميعه من تبرعات الخيرين، لذلك حملت منشآتها ومبانيها أسماء الخيرين الذين تبرعوا بها لصالح خدمة التعليم الأهلي المتمثل في جامعة أم درمان الأهلية إيمانا بفكرتها. لذلك كانت جامعة أم درمان الأهلية وما زالت خارج مظلة التعليم الربحي الخاص، أي ليس لها أرباح توزع على حملة صكوك أو أسهم، وإنما يعاد تدوير فوائضها في التوسع الإنشائي العمراني للجامعة ولتطوير العملية التعليمية. ومن هنا جاء تفرد جامعة أم درمان الأهلية، ونمت وترعرعت بمصادر التمويل الذاتي وبتبرعات الخيرين من أبناء السودان، فهي بذلك تمثل ملكية مجتمعية بامتياز. ومن هنا تأتي عبقرية الفكرة والتحدي التاريخي لمخاض هذا الإرث الذي ينبغي أن يحافظ عليه كل سوداني حر ووطني.

وعلى الرغم من بروز بعض الأفكار المعزولة التي نادت بخصخصتها أو بتحويلها إلى مؤسسة وقفية في فترات تاريخية محددة من عمر الجامعة فإن أم درمان الأهلية قد صمدت أمامها، وستصمد بإذن الله أمام هذه الأصوات النشاز التي تدعو إلى هدم هذا الإرث.

يحكم جميع العلاقات بين أجهزة ومؤسسات الجامعة التشريعية والتنفيذية قانون ونظم تطورت عبر مسيرة أم درمان الأهلية لتتبلور في قانون جامعة أم درمان الأهلية لسنة1995م، بعد تصعيدها من كلية أم درمان الأهلية إلى جامعة أم درمان الأهلية بقرار ومرسوم رئاسي تم بموجبه إجازة قانون الجامعة لسنة1995م من رأس الدولة. ثم صيغت النظم الأساسية للجامعة المفسرة للقانون والمتماشية مع عبقرية فكرة جامعة أم درمان الأهلية وتكوينها وتفردها.

وجدير بالقول إن هذا الإرث لا يمثل تيارا فكريا متحيزا كما حاول أن يروج لذلك البعض، ولكنه مثال للعقل الجمعي الذي تلاقت وتمازجت فيه الرؤى والأفكار من أقصى اليمين المتمثل في الأستاذ يس عمر الإمام عضو مجلس الأمناء وأحد مؤسسي الجامعة، إلى أقصى اليسار المتمثل في الدكتور فاروق كدودة عضو مجلس الأمناء وعميد كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية، وبينهما التيارات الوسطية. حيث تبرعت بالأرض حكومة السودان لصالح تشييد جامعة أم درمان الأهلية في عهد السيد أحمد الميرغني رئيس مجلس السيادة في الحكومة الديمقراطية الثالثة،و كان حينها السيد الصادق المهدي رئيسا لمجلس وزرائها.

وهكذا تلاقت وتلاقحت جميع أفكار وجهود الجغرافيا السودانية في تشييد هذا الصرح الذي قام بناؤه المعماري على تبرعات الخيرين الذين تبرعوا لها دون مقابل ودون صكوك ملكية تورث لأبنائهم أو توقف بأسمائهم، ولم يكن هنالك أي وعد تاريخي بأن تؤول لهم في شكل صكوك وقفية أو ربحية، إنما تبرعوا بها إسهاما يعبر عن قناعتهم بفكرة الجامعة ولخدمة التعليم. فبعضهم قد اشترط أن تحمل أسماء آبائهم تخليدًا لذكراهم، والبعض تم وضع أسماء آبائهم تعبيرا عن الوفاء لهم على ما أسهموا به من مال دون أن يطلبوا ذلك.

كما أن كثيرا من العاملين عبر التاريخ الطويل لأم درمان الأهلية من جميع الفئات، أساتذة وموظفين، قد بذلوا أعمارهم وأفكارهم في بناء هذا الصرح دون مقابل أو بمقابل زهيد إيمانا منهم بفكرة الجامعة ووفاءً لها.

وانطلاقا من مبدأ وفكرة التعليم الأهلي التي ليست غريبة على الذهن والممارسة السودانية عبر الحقب التاريخية المتعاقبة، ينبغي على الدولة ممثلة في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المحافظة على هذا الإرث والدفاع عنه من جميع الأفكار النشاز والأفكار الانتهازية التي تخبو وتصعد من وقت لآخر، وترمي إلى تغيير صبغة أم درمان الأهلية وطمس معالم هويتها مثل خصخصتها أو تحويلها إلى مؤسسة وقفية. وليس لأحد أو لمجموعة أن تتبنى فكرة تغيير هذا الإرث وطمس هوية أم درمان الأهلية، لأن هذا الإرث ليس ملكًا لكيان أو لمجموعة من الأفراد أو الأسر، ولا حتى ملكًا لمؤسسيه، فهو بتكوينه ونشأته ملك للشعب السوداني.

لذلك ينبغي على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي منع أي حراك يسير في هذا الاتجاه البغيض الذي يعبر عن قلة انتهازية تمرست على انتهاز المواقف وتكرار نفسها في الوظائف القيادية والتنفيذية للجامعة دون خجل أو حياء.

إن خصخصة الجامعة أو تحويلها لمؤسسة وقفية يعتبر جريمة في حق مؤسسها وصاحب فكرتها، ويعتبر جريمة في حق خريجيها وكل من أسهم في بنائها وتطورها بالمال والجهد والفكر، وهي بكل تأكيد فكرة شيطانية ترمي إلى طمس هوية هذا الكيان.

كما ينبغي على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن تعيد تشكيل مجالس الجامعة بناءً على القاعدة القانونية المتمثلة في بنود قانون الجامعة لسنة1995م الذي لم يُجمد ولم يُلغَ، ووضع الأسس اللائحية المستمدة من القانون والقائمة على قاعدة المؤسسين التاريخية المؤمنة بفكرة الجامعة الأهلية والواجب المقدس في الحفاظ عليها، وإعادة انتخاب المجالس بصورة دورية انطلاقا من هذه القاعدة.

والجامعة دون أدنى شك قادرة على تسيير شؤونها بما تحققه من إيرادات، وإعادة تدوير فوائضها في تطوير العملية التعليمية، وأن تكون الوزارة رقيبًا على الجامعة دون تدخل مباشر في العملية الإدارية أو اختيار مديريها أو قياداتها التنفيذية، والضامن للمحافظة على هذا الإرث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى