عن أي ألمٍ أكتب؟ عن أي حُزنٍ أتحدث؟ عن مأسآة يعيشها خيار المجتمع، مأسآة يتجرعها عُلماء ظلّوا نبراساً في تعليم عامة الناس، بما فيهم المسؤولين الذين يمكثون في المناصب القيادية للدولة؛ ألمٌ لا يُضاهيه ألم وأساتذتنا قدوة البلاد يعانون أزمة حقيقية قبل أن تكون مالية أزمة أخلاقية تكشف سوء إدارة الحكومات لملف التعليم العالي وهم يُذلّون في حقوقهم للحصول على الحياة الكريمة التي هم بعيدون عنها، ولعلّي في هذا السياق أتحدث عن إهمال متعمّد لأوضاع أساتذة وعُمال الجامعات.
لم ولن تستحي الحكومات المتعاقبة لإنصاف قطاع التعليم العالي الذي أصبح مُنكسراً أمام السياسات الخاطئة والنظرة السالبة وما أن تحدثوا بحقوقهم وطالبوا بها إلاّ وكان التخوين حاضراً ( شيوعي – كوز – قحاتي ) وجميعهم يُعاني من أزمة مالية جراء ضعف المرتبات بإستثناء فئة معينة تُحسب على الأنظمة قيادات الوزارة العليا ومدراء الجامعات والوكلاء الذين حتماً مرتباتهم ومخصصاتهم تختلف عن الأساتذة والعُمال، لذا تجد أغلبهم يستنكر الإضراب أو مجرد المُطالبة بالحقوق، وأنا أكتب هذا المقال أتذكّر الذين أشرفوا على تعليمنا الجامعي وفوق الجامعي، أستحضر تواضعهم وأدبهم للعلم وإحترامهم لطُلابهم وحُبهم للرسالة الخالدة، وأقف في ظِلال الذكريات فأرى أحبتي بجامعة النيلين قسم العلوم السياسية البروف داني ذاك العالم الخلوق، ومجموعة من الذين لا يمكن نسيان فضلهم قامات شامخة د. محمد المجذوب د. مرتضى الطاهر، د. مصعب الطاهر، د. عوض أحمد سليمان، د. مايسه مدني، د. سعد الكرم، د. شوقار بشار، د. عبد القادر يعقوب.
أفنوا عمرهم في خدمة التعليم وأشرفوا على مئات البحوث وخطّطوا ورسموا ملامح سياسات لحل مشكلة السودان المُستعصية ولم يجدوا سوى الإهمال، وما أن تحدثوا عن حقوقهم المشروعة التي يجب أن ينالوها دون مَنٍّ أو أذى ولكنهم واجهوا سياسات لا تُقدِّر هذا القطاع الذي يمكن أن يقود الدولة لبر الأمان، إلاّ أن للسياسيين رأي آخر وهو ما أوصل البلاد لما تعيشه الآن، فكانت النتيجة تدهور في الحياة السياسية التي هي أُس المشاكل كلها وإنهيار إقتصادي وتمرد على السلطة من مليشيات غاشمة.
نهضة الدول تأتي بالعلم والمعرفة وإنشاء مراكز بحوث ودفع ملايين الدولارات عليها، وتهيئة البيئة الصالحة للتعليم والبُعد التام من تسييسه وشيطنته ليصبح مستقلاً لخدمة البلاد والعباد، وإني على يقين إنهم قادرون تماماً على معالجة الأزمة الحالية للبلاد، ثبت ذلك في أوراقهم العلمية التي تناولت أزمة السودان بكل تفاصيلها وبحوثهم النيّرة وكانت وما زالت منارة الجميلة ومستحيلة تضئ، في قلعة العلم والمعرفة فيتحدث البروفيسور الراحل عوض السيد الكرسني عن الأزمة وحينها كنا ننظر لحديثه وكأنه يقرأ من لوحة الغد التي بتفاصيلها الدقيقة وأحداثها الخطيرة، والسفير الإنسان الراحل د. محمد أحمد عبد الغفار وما أدراك ما فض النزاعات، وعَلم العِلم والمعرفة والتواضع برفسيور حسن الحاج علي، ودكتور الشفيع محمد المكي، وبروفسيور عمر محمد علي، د. محمد عبد الباقي د. سحر محي الدين، د. غاده ملاسي فكانت وما زالت القاعات تضج بعلمهم والمنابر تتشرف بما يحملونه، وفي المقابل لا يجدون أبسط المقوّمات لتوفير الحياة الكريمة لهم، فضعف المرتبات لهذا القطاع رغم الوعود التي تتحدث عن زيادته (100٪) إلاّ أنها تظل حديثاً لا يستند لواقع دون التطرق للهيكل الراتبي الذي تتهرب منه الحكومة وهذا يقودنا إلى أين تكمن الأزمة وكيفية التعامل معها ودور وزارة التعليم العالي ولماذا إخترنا هذا عنوان المقال هذا، كل ذلك في مقالنا القادم بمشيئة الله تعالى
