أخر الأخبار

دكتور صلاح دعاك يكتب : حين نصبح قضاة… دون أن نجلس على منصة القضاء

 

 

ما زلت أستعيد تلك الحكاية التي رواها لي والدي عن جدي، وكأنها تُروى الآن لا في زمنٍ مضى. فقد كان جدي، بعد أن أتم دراسته في الفقه و حفظ القرآن و منح الشهاده العالميه حسب النظام المتبع ان ذاك ( العالميه بكسر الللام و هي شهاده في زمن الحكم التركي تعادل الدكتوراه تعطي لمن درسوا القرآن و الفقه في المساجد ) ، و قد اجتاز ما يؤهله ليكون قاضيًا، على أعتاب طريقٍ يراه الناس شرفًا ومكانة، لكنه رآه بعينٍ أخرى… عينٍ تُبصر ما وراء الوجاهة من مسؤولية ثقيلة وحسابٍ عسير.
يُحكى أنه رفض أن يعمل في القضاء، لا عجزًا ولا تقصيرًا، بل ورعًا وخشية. كان يقول إن طبعه حار، ويخشى أن يحكم يومًا على إنسان فيخطئ، فيحمل وزر ذلك أمام الله. لم يكن حديث “القضاة ثلاثة” يمر عليه مرورًا عابرًا، بل كان يستقر في قلبه، يوقظه، ويجعله يعيد النظر في كل خطوة يمكن أن تقوده إلى منصة الحكم.
اختار جدي طريقًا آخر، بدا أقل بريقًا في أعين البعض، لكنه كان عنده أوضح وأطمأن؛ طريق التعليم وتحفيظ القرآن. هناك وجد نفسه، وهناك وجد الناس فيه المعلم الذي لا يفصل بينهم بحكم، بل يجمعهم على علم. حمله تلامذته في قلوبهم، وتفهموا خياره، بل ازدادوا له تقديرًا، لأنه لم يبتعد عن المسؤولية، وإنما اقترب من معنى أعمق لها.
ومع مرور الأيام، بدأت أتأمل تلك القصة من زاويةٍ أخرى. هل كان جدي يخشى القضاء بمعناه الضيق فقط، أم أنه كان يدرك أن الحكم بين الناس لا يقتصر على من يجلس على منصة القضاء؟ شيئًا فشيئًا، بدا لي أن المعنى أوسع بكثير، وأننا، في تفاصيل حياتنا اليومية، نرتدي هذا الدور دون أن نشعر.
في البيت، حين يفصل الأب أو الأم بين الأبناء، هناك حكم. في العمل، حين يقرر المدير في نزاعٍ بين موظفين، هناك حكم. في الحي، في لجان الناس، في رئاسة الفرق، في كل موقعٍ تُتخذ فيه قرارات تمس الآخرين، نحن أمام صور متعددة من القضاء، وإن اختلفت أسماؤها.
بل إن الأمر قد يكون أبسط من ذلك، وأخطر في آنٍ واحد. كلمة عابرة، رأي يُطلب منا، نصيحة نظنها خفيفة، لكنها قد تُبنى عليها قرارات مصيرية. حين يُستشار أحدنا في زواج، فيمدح أو يذم، فيُبنى على رأيه مستقبل أسرة. أو حين يُسأل عن شخص، فيحكم عليه بانطباعٍ شخصي، فيُفتح له باب أو يُغلق دونه حق.
هنا يتكشف المعنى الذي ربما أدركه جدي مبكرًا؛ أن القضاء ليس مجرد وظيفة، بل حالةٌ إنسانية تتكرر في حياتنا، وأن العدل ليس نصًا يُطبّق في المحاكم فقط، بل خُلق ينبغي أن يسري في أقوالنا وأفعالنا.
وفي السودان نماذج كثيرة لهذا المعنى في وجوه متعددة، خاصة في الإدارات الأهلية، وفقهاء الطرق الصوفية، وإمام المسجد حين يفصل بين زوجين أو يوزع الميراث. ومن القيادات الأهلية اللامعة التي عُرفت بسرعة البديهة وحكمة الفصل، الناظر بابو نمر في بلاد المسيرية، والناظر أبوسن في بلاد الشكرية، والناظر دينج مجوك في أبيي.
وتُروى قصة طريفة ذات دلالة عميقة، أن أحدهم سأل الناظر أبوسن: كيف تحكم بين الناس، ومهما كان الخلاف كبيرًا وخطيرًا، تستطيع أن تصلح بينهم ويخرج المتخاصمون راضين؟
فقال له: عندما يأتيني متخاصمان، مهما كان الخصام كبيرًا، أنظر إليهما، وأحاول أن “أعصر على الفاضل” منهما ليتنازل، وفي كثير من الأحيان أوفّق وتُحل المشكلة.
فسأله السائل: وإن كان الاثنان صعبين وغشيمين، ماذا تفعل؟
فابتسم وقال: في هذه الحالة… “أعصر على جيبي”، في إشارة إلى أنه قد يحل المشكلة من ماله الخاص.
وحين يبلغ الحرص على العدل هذا المدى، حتى يدفع الإنسان من ماله ليطفئ نار الخصام، فإنه يكون أبعد ما يكون عن الظلم، وأقرب ما يكون إلى روح القضاء الحقيقي. والقصص في هذا الباب تطول، لكنها كلها تشير إلى معنى واحد: أن العدل ليس وظيفة، بل خُلق.
وفي ضوء ذلك، يلتقي هذا المعنى مع قول النبي ﷺ: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”، فالرعاية في جوهرها حكم، والمسؤولية ميزان، وكل منا، في موقعه، يُسأل عما قال، وعما قرر، وعما رجّح بين الناس.

رحم الله جدي حسنين و آباءنا و كل اموات المسلمين و ان يرحمنا اذا ما عدنا اليهم ،،،
لقد اختار أن يبتعد عن منصة القضاء، لكنه في الحقيقة اقترب من جوهره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر − عشرة =

زر الذهاب إلى الأعلى