أخر الأخبار

حد القول  – حسن السر  – رمضان في السودان: بين هدى القرآن وكرم العادات

 

رمضان هو شهر عبادة وروحانية، وقد جاء ذكره في القرآن الكريم بآيات توضح فرضيته وحكمته، منها قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)،
وقوله سبحانه:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185).

هذه الآيات تؤكد أن الصيام عبادة تهدف إلى التقوى، وأن رمضان هو شهر القرآن والهداية.

في السودان، يتجلى أثر هذه المعاني القرآنية في حياة الناس اليومية خلال الشهر الكريم. رمضان هناك ليس مجرد عبادة فردية، بل هو مناسبة اجتماعية وروحانية تعكس قيم التكافل والكرم. الإفطار الجماعي في الشوارع والساحات صورة بارزة، حيث يجتمع الناس لتناول الطعام معًا، في مشهد يترجم روح الآية “لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” إلى واقع اجتماعي يقوم على المشاركة والمحبة.

المشروبات التقليدية مثل الحلومر والأبري، والأكلات الشعبية مثل العصيدة والملاح، تضفي على رمضان نكهة سودانية خاصة، تجعل من المائدة الرمضانية رمزًا للهوية الثقافية. كما أن حلقات التلاوة في المساجد والبيوت تعكس ارتباط السودانيين بالقرآن، انسجامًا مع قوله تعالى إن رمضان هو شهر القرآن.

رمضان في السودان روحياً واجتماعياً وثقافياً يتعدد بأكلاته: العصيدة، الكسرة الرهيفة، القراصة، المديدة، والأمجنقر، إضافة إلى مشروبات سودانية خالصة تؤكد ثراء السودان وتنوع موارده الطبيعية من الثمار: التبلدي، العرديب، القضيم، الدوم وغيرها، إضافة إلى سيد شباب مشروبات المائدة الرمضانية: الحلومر والكركدي.

صينية رمضان لوحة جمالية تجمع بين العراقة والأصالة والمعاصرة، وهي لوحة معروضة في الشارع العام وللعامة. ولأنها متنوعة يمكن التعامل معها بسهولة بنظرة ثم توزيع تقدير المسافات، ومن ثم الانقضاض عليها بعد الدعاء بكلمة “بسم الله”، ونختم بحمد الله.

ومن أنواع التنافس النبيل أن النساء يتفقدن الصواني بعد عودتها للمنزل؛ فإن كانت فارغة تظهر علامات البشر بنجاح المهمة واليد الطاعمة، أما إن لم تكن كذلك فربما لا تنام وتنتظر ضحى الغد لتبدأ معركة اليوم الجديد، وربما تستعين بصديقة أو بالأم أقرب الصديقات. هذه مشاهد سودانية خالصة لم تغيّرها الحرب، بل كان التحدي الأكبر لمن أخرجتهم الحرب هو صوم رمضان في الديار، وقد كان ذلك بنسبة كبيرة بعد تطهير القوات المسلحة والقوات المساندة لها لكثير من المناطق التي احتلتها المليشيات المتمردة.

وقريبًا يأتي رمضان كما يحبه أهلنا في كردفان الكبرى ودارفور الكبرى (علينا وعليكم يتبارك)، وتبقى الغاية الكبرى من الصوم “لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” مقرونة بالدعاء: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.

رمضان في السودان أيضًا موسم للصدقات ومساعدة المحتاجين، حيث يتسابق الناس في أعمال الخير، في انسجام مع روح الصيام التي تهذب النفس وتدعو إلى الرحمة. وهكذا يلتقي النص القرآني بالواقع السوداني ليصنع لوحة فريدة تجمع بين العبادة والعادات، بين القرآن والكرم.

آخر القول
رمضان في السودان ليس مجرد شهر صيام، بل هو تجربة جماعية وروحانية تعكس عمق الإيمان وتبرز قيم التكافل والكرم. إنه لقاء بين هدى القرآن وخصوصية المجتمع السوداني، ليصنع شهرًا يفيض بالرحمة والبركة.

كسرة
شَوْقِي عَلَيْكَ مَدَى الشُّهُورِ يَجُورُ
وَدَمِي لِبُعْدِكَ فِي العُرُوقِ يَمُورُ

وَمَشَاعِرِي تَهْفُو إِلَيْكَ وَإِنْ يَكُنْ
أَمَلِي بِقُرْبِكَ مَا غَزَاهُ فُتُورُ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى