الصافي سالم .. كلام سياسة : صفاء القلوب بعد الحرب : طريق السودان نحو التعافي وبناء الوطن

مرت أكثر من ثلاث سنوات من الألم والدموع، وبعد أن أثقلت الحرب كاهل الأرواح قبل الأجساد، يقف السودان اليوم عند مفترق طرق مصيري إما أن نختار طريق الصفاء والمصالحة، أو نواصل السير في دروب الحقد والكراهية التي أنهكتنا طويلًا.لقد مر شعبنا بتجارب قاسية من تهجير وتشريد ونزوح وفقد للأحبة، وعانى ما لا يُحصى من أوجاع وانكسارات. كان الأولى بنا أن نحول هذه المعاناة إلى دروس في الصبر، وإلى جسور للتراحم، وإلى طاقة لإعادة البناء. لكن، للأسف، ما زالت في النفوس بقايا حقد وحسد، وما زال بعضنا يحفر للآخر بدل أن يمد له يده. في مؤسساتنا الحكومية والخاصة، نحتاج اليوم إلى صدق في العمل، وإخلاص في الأداء، ونزاهة تعيد الثقة بين المواطن والدولة. نحتاج إلى أن نقدم الوطن على المصالح، والواجب على المجاملات والخدمة على الشعارات.فالأوطان لا تُبنى بالكلمات، بل بالأفعال الصادقة. وما يؤلم أكثر، أن الجهوية وخطاب الكراهية ما زالا يفرضان حضورهما في مجتمع أنهكته الصراعات. كلمات جارحة، ونظرات شك، وأحكام مسبقة تُعيد فتح الجراح بدل أن تُداويها. وكأننا لم نتعلم بعد من الحرب التي جاءت بما كسبت أيدينا وشر أعمالنا، وأن إخلاص النية الصالحة هي بداية النجاة. يقول الله تعالى: “إن الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم. وهذه ليست آية تُتلى فقط، بل منهج حياة؛ فالتغيير الحقيقي يبدأ من داخل القلوب بتطهيرها من الضغينة، وتحريرها من الكراهية، وملئها بالمحبة والعدل والرحمة.ها هي الحرب تقترب من نهايتها، رغم ما يظهر من مناوشات هنا وهناك، وكأنها أنفاس أخيرة لوجع طويل. وها هو شهر رمضان يلوح في الأفق، شهر الصفح والغفران، شهر تهذيب النفوس قبل تزيين البيوت. فلنجعله بداية جديدة، وعهدًا صادقًا مع أنفسنا، أن نفتح صفحة بيضاء مع الوطن ومع بعضنا البعض.لنحوّل آلامنا إلى قوة، ودموعنا إلى أمل، وخساراتنا إلى دروس لنقل لأنفسنا قبل غيرنا: كفى كراهية، كفى فرقة، كفى عبثًا بمستقبل أبنائنا. فقد تعب هذا الوطن، وتعب أهله، وحان وقت الراحة والبناء.إن صفاء القلوب بعد الحرب ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة وطنية. والصدق في العمل ليس شعارًا، بل مسؤولية.والتسامح ليس ضعفًا، بل شجاعة الكبار. فلنبدأ اليوم من قلوبنا، من كلماتنا، من أعمالنا، لنصنع سودانًا جديدًا يليق بتضحيات شعبه وبأحلام أجياله القادمة.

Exit mobile version