أخر الأخبار

حبر من نار – المعز مجذوب – أهل جنوب كردفان اليوم ليسوا آمنين على حقوقهم

قوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ..}
بقلم: المعز مجذوب خليفه

في زمنٍ تتكاثر فيه السهام على خاصرة الوطن، ويشتدّ التربص بأهله، لا يعود النصّ القرآني مجرد وعظٍ يُتلى، بل بوصلة وعيٍ تُقرأ بها الوقائع. ما يجري اليوم في جنوب كردفان ليس حدثًا عابرًا في دفتر الإدارة العامة، بل علامة إنذارٍ كبرى على انزلاقٍ مؤسسي يهدد الأمن المجتمعي والاقتصادي معًا.

لقد اطّلعتُ على خطابٍ مسرّب تداولته وسائط التواصل، ممهور بتوقيع مدير عام وزارة المالية والقوى العاملة ولاية جنوب كردفان، يتحدث عن تحويل أنصبة الولاية من عائدات التعدين إلى حسابٍ شخصي—يُرجَّح أنه لأحد الموظفين. إن صحّ ذلك، فنحن لا نواجه مجرد مخالفة إجرائية، بل طعنًا مباشرًا في جسد الثقة العامة، وتغوّلًا على المال العام الذي يُفترض أن يداوي جراح الناس لا أن يفتح جراحًا جديدة.

أهل جنوب كردفان اليوم ليسوا آمنين على حقوقهم ما لم تُصن الموارد بشفافيةٍ صارمة ومساءلةٍ لا تعرف المحاباة. عائدات التعدين ليست أرقامًا صمّاء؛ هي دواءُ مريض، وغذاءُ أسرة، وطريقٌ يُعبد، ومدرسةٌ تُبنى. وكل انحرافٍ بها هو انحرافٌ بمصير إنسانٍ حيٍّ ينتظر نصيبه من العدالة.

ويبقى السؤال الذي لا يقل خطورةً عن مضمون الخطاب نفسه: كيف تسرب هذا الخطاب إلى وسائط التواصل الاجتماعي بدلًا من أن يسلك مساره المؤسسي الطبيعي؟
إن تسريب وثيقة رسمية—بهذا الثقل—يطرح احتمالين كلاهما مُقلق:
إما خلل جسيم في منظومة الحفظ والتداول داخل الوزارة بما يكشف هشاشة الضوابط الإدارية،
أو أن التسريب كان فعلًا مقصودًا من داخل المنظومة ذاتها، بدافع الصراع أو كشف المستور أو تصفية الحسابات.
وفي الحالتين، نحن أمام أزمة ثقة مضاعفة: أزمة في حماية المال العام، وأزمة في حماية الوثيقة العامة. فالمؤسسات التي لا تصون مواردها ولا تصون أوراقها، تُعرّي نفسها أمام الشائعات وتفتح الباب لفوضى التأويل، ويغدو المواطن بين نارين: نار الفعل المريب، ونار الغموض الذي يلفّه.

وعليه، فإن التحقيق المطلوب لا يجب أن يقف عند مضمون التحويلات فحسب، بل يمتدّ إلى مسار الوثيقة: من كتبها؟ من اعتمدها؟ من تداولها؟ ومن سرّبها؟ فالشفافية لا تتجزأ؛ ومن أراد تطهير البيت العام، فليبدأ بإغلاق منافذ العبث فيه—مالًا ووثيقةً ومسؤولية.

وإزاء جسامة الوقائع المتداولة، فإن مقتضى المسؤولية الوطنية يفرض إعفاء مدير عام الوزارة فورًا وعاجلًا إلى حين اكتمال التحقيقات، مع إيقاف كل من يثبت تورطه—تنفيذًا أو اعتمادًا أو تسترًا—عن العمل، حمايةً للأدلة وصونًا لهيبة الدولة. فالمسألة لم تعد شبهة إجرائية عابرة، بل حلقة في سلسلة سوابق مؤلمة لم تكن الأولى من نوعها، الأمر الذي يؤكد أن الخلل مؤسسيّ يتطلب قراراتٍ استثنائية بقدر استثنائية الضرر.

إن أهل جنوب كردفان يستحقون رسالة واضحة لا لبس فيها: لا حصانة فوق القانون، ولا إدارة فوق المساءلة. فحين تُتخذ القرارات الشجاعة في لحظة الشك، تُستعاد الثقة، ويُغلق الباب أمام العبث بالمال العام، وتُحمى الولاية من تكرار المشهد ذاته بثوبٍ جديد.

ختامًا، ليست المعركة مع أشخاص، بل مع منظومة خللٍ يجب أن تُقتلع من جذورها. فجنوب كردفان تستحق إدارةً تحميها، لا أن تُخيفها؛ وتستحق مواردَ تُنفق عليها، لا أن تُصرف عنها. وإن لم نقف اليوم وقفةَ صدقٍ ومسؤولية، فغدًا لن يكون لدينا ما نقف عليه.

والله من وراء القصد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

11 + 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى