بقلم : المعز مجذوب خليفة
ليس الحديث هنا عن طبيبتين بوصفهما حالتين إنسانيتين عابرتين، بل عن ميزان أخلاقي حاسم في زمن الحرب، زمنٍ تُختبر فيه القيم، وتُعرَّى فيه المواقف، ويُعرف فيه من بقي على العهد ومن غادره.
الطبيبة الشهيدة هنادي لم ترحل لأنها لم تجد مخرجًا، بل لأنها اختارت الواجب. ذهبت إلى ربها وهي متمسكة بقسم المهنة حتى آخر لحظة، تؤدي دورها الطبيعي في مكانٍ غير طبيعي، حيث يصبح البقاء نفسه مخاطرة، ويغدو أداء الواجب فعل مقاومة.
برحيل هنادي، لم تنتهِ الرسالة، ولم يُغلق دفتر القسم، بل انتقلت الأمانة ثقيلةً إلى من بقوا في الميدان. وهنا تبرز الطبيبة برنجية، ابنة ولاية جنوب كردفان – كادوقلي، لا كنموذج بطولي مُصنَّع، بل كحقيقة يومية صلبة في قلب الحصار والمعاناة.
برنجية لم تبحث عن أعذار، ولم تلوّح بمخاوف مشروعة لتبرير الانسحاب، ولم تُقدّم السلامة الشخصية على سلامة مجتمعها. اختارت البقاء مع شعبها، ومارست مهنتها في ظروف يعلم الجميع قسوتها، مؤكدة أن الطبيب حين ينسحب، لا يترك فراغًا صحيًا فقط، بل يضرب آخر جسور الثقة بين المواطن والدولة.
ما بين هنادي وبرنجية لا توجد مقارنة بين موتٍ وحياة، بل وحدة موقف ومسار. الأولى ختمت عهدها بالشهادة، والثانية تحمل العهد حيًا كل يوم. كلتاهما تنتميان إلى مدرسة واحدة: مدرسة الإيمان بأن الطب رسالة أخلاقية قبل أن يكون مهنة، وأن القسم لا يسقط تحت ضغط الحرب ولا يشيخ مع الخوف.
في هذا الزمن، حيث صار الانسحاب يُسوَّق بوصفه حكمة، والحياد يُلبس ثوب العقلانية، تقف هنادي وبرنجية كإدانة صريحة لهذا المنطق المريح. فالمجتمعات الهشة لا تحتمل ترف تخلي نخبتها المهنية، ولا تُشفى جراحها بالبيانات ولا بالتبريرات.
نداء مهني وأخلاقي
إلى الأطباء والطبيبات في السودان:
إن مهنتكم اليوم أمام أخطر اختبار في تاريخها الحديث. الخوف مفهوم، والظروف قاسية، لكن التخلي الكامل عن الواجب يترك جراحًا أعمق من جراح الحرب نفسها.
وجود الطبيب في مناطق النزاع ليس استعراضًا للبطولة، بل ضرورة إنسانية والتزام أخلاقي تجاه مجتمعٍ لا يملك بدائل. وما حفظ لهذه المهنة مكانتها عبر التاريخ لم يكن سهولة الظروف، بل ثبات أصحابها حين اشتد البلاء.
رحم الله الطبيبة الشهيدة هنادي، وجعل تضحيتها منارةً للضمير المهني،
وحفظ الله الطبيبة برنجية ابنة كادوقلي،
وكل طبيبٍ وطبيبة اختاروا أن يكونوا في صف الإنسان،
حيث يكون الطب فعل حياة… لا مجرد لقب.
